أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (11/ 578)جامع البيانالطبري١١/٥٧٨ بسنده عن السدي وقتادة في قوله: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}: "اعمل بأمر الله الذي أتاك بالوحي، واقتدِ بهديه، واثبت على ما كلفك به، {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} توحيداً لله وإخلاصاً، {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} أي: لا تلتفت إلى أقوالهم وأذاهم وجدالهم بالباطل".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 317)مصدر غير محدد٣/٣١٧: "يقول تعالى آمراً لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأتباعه: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} أي: اقتفِ أثره واعمل به، فإنه الحق الذي لا مرية فيه من ربك الذي لا إله إلا هو، {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} أي: اصفح عن جهلهم، ودع أذاهم، واصبر على ما ينالونك به، ووكل أمرهم إلى الله تعالى".
قال البغوي في "معالم التنزيل" (3/ 175)معالم التنزيلالبغوي٣/١٧٥: هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالاستمساك بالوحي، والإعراض عن مناكفة الجاحدين ومماراتهم، والاشتغال بالدعوة وإقامة الحجة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(اتَّبِعْ): من الاتباع، وهو المشي خلف السابق واقتفاء أثره حذو القذة بالقذة؛ والمراد هنا: الامتثال الكامل لأوامر الوحي والاهتداء بنوره.
(أَعْرِضْ): من الإعراض، وهو إعطاء العَرْض (أي الجانب)، وهو كناية عن ترك الشيء وعدم المبالاة به والصفح عنه وعدم الاشتغال بسفاهته.
الإعراب والتركيب:
{اتَّبِعْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.
{أُوحِيَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على (ما). والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{إِلَيْكَ}: جار ومجرور متعلق بـ (أوحي).
{مِن رَّبِّكَ}: جار ومجرور متعلق بـ (أوحي) أو بمحذوف حال من نائب الفاعل.
{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}: جملة اعتراضية مؤكدة لا محل لها من الإعراب، متضمنة شهادة التوحيد.
{وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}: الواو عاطفة، (أعرض) فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، (عن المشركين) جار ومجرور متعلق بـ (أعرض).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها: لما حكى الله تعالى في الآيات السابقة طغيان المشركين وبذاءتهم في زعمهم {دَرَسْتَ} وعماهم عن البصائر الإلهية، خاطب نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم خطاب تثبيت وتسلية ومنهج عمل: لا يفتنك لغطهم، ولا يشغلك بهتانهم عن صراطك المستقيم؛ بل استمسك بالوحي المتنزل إليك، وأفرد مولاك بالعبادة، وأعرض عن هؤلاء المشركين ولا تكترث لجهلهم وأذاهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق مسألة الإعراض والقتال:
زعم بعض المفسرين أن الأمر بالإعراض عن المشركين منسوخ بآيات الجهاد في سورة براءة. والتحقيق الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن هذه الآيات ليست منسوخة بالكلية؛ بل هي سارية المحكم عند الاستضعاف، وحين يكون الإعراض عن المهاترات الجدلية والسفهاء أصلح للدعوة ولحفظ الأوقات والطاقات. فالداعية مأمور بالإعراض عن سفاهة المعاندين والتركيز على تبليغ الوحي النافع دون تضييع الوقت في مماحكات لا ترجو حقاً.
الاعتراض التوكيدي: بجملة {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} بين الأمر بالاتباع والأمر بالإعراض؛ لبيان أن مصدر الوحي هو الإله الحق المتفرد بالربوبية، وفي ذلك أعظم باعث على الانقياد والتسليم.
الإضافة في {مِن رَّبِّكَ}: تشريف للرسول صلى الله عليه وسلم وتأنيس لقلبه الشريف بربوبية الرعاية والكلاءة والتثبيت.
المقابلة السلوكية: بين الإقبال الكامل على الوحي {اتَّبِعْ} والانصراف الكامل عن جهالات المشركين {وَأَعْرِضْ}؛ فالحياة لا تتسع للإنشغال بالحق والاشتغال بالترهات في آن واحد.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
لا ينتصر حامل الرسالة على باطل الخصوم بمثل التمسك الصارم بالوحي، والإعراض عن ردود الأفعال الصبيانية؛ فالعمارة الإيمانية الداخلية كفيلة بهدم حصون الباطل المتهاوية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه التربوي والدعوي:
تعليم الدعاة منهجية التركيز على الثوابت؛ فالانشغال بالرد على كل معترض ومشكك قد يستنزف وقت الداعية ويصرفه عن البناء الإيماني والتربوي الإيجابي، والواجب هو الاتباع وإقامة صروح الحق.
السكينة القلبية:
تفويض الأمر إلى الله والتحصن بتوحيده سبحانه؛ فمن علم أنه لا إله إلا هو هان عليه كلام الخلق، ولم يضره ما يقولون وما يفترون.