حشر الخلائق والبهائم والقصاص يوم القيامة في السنة الصحيحة:
أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم ٢٥٨٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٨٢ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء».
وأخرج الإمام أحمد في "المسند" (ج ٥، ص ١٦٢)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبل٥/١٦٢ والحاكم في "المستدرك" (ج ٢، ص ٣١٧ وصححه) عن أبي ذر رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر، هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا يا رسول الله، قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما يوم القيامة».
وأخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٦١)جامع البيانالطبري١١/٣٦١ عن ابن عباس ومجاهد في قوله تعالى: {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم}: «أي أصناف وأجناس مخلوقة، تعرف ما تأتي وما تذر، دبرها الله وأجرى عليها أرزاقها، وقضى فيها أمره كما قضاها فيكم».
وفي قوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ}: أخرج الطبري عن قتادة وابن عباس: «أي ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئاً إلا وقد أثبتناه وقدرناه وكتبناه قبل أن نخلق السماوات والأرض؛ وقيل: في القرآن ما يحتاج إليه العباد من أمر دينهم ودنياهم إما نصاً وإما دلالة وإجمالاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
دَابَّةٍ
الدابة كل ما يدب ويمشي على وجه الأرض من حيوان وحشرات؛ ودخول (من) للاستغراق التام.
يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ
تأكيد لرفع المجاز في الطيران وإثبات حقيقة الطير في الهواء.
أُمَمٌ أَمْثَالُكُم
جماعات منظمة تشبهكم في الخلق والتدبير والرزق، وتسبح بحمد ربها وتُحشر إليه.
مَّا فَرَّطْنَا
ما قصرنا وما تركنا وما أهملنا شيئاً إلا أحصيناه.
الْكِتَابِ
اللوح المحفوظ الذي كُتبت فيه مقادير الخلائق، أو القرآن الكريم المستوعب لأصول الشريعة والهدى.
وَمَا
الواو استئنافية، ما نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
مِن
حرف جر زائد لاستغراق النفي وتأكيد العموم.
دَابَّةٍ
مبتدأ مجرور لفظاً بمن الزائدة مرفوع محلاً (أو اسم ما).
فِي الْأَرْضِ
متعلق بمحذوف نعت لدابة.
وَلَا
الواو عاطفة، لا نافية لتأكيد العموم.
طَائِرٍ
معطوف على دابة مجرور لفظاً.
يَطِيرُ
مضارع فاعله مستتر والجملة نعت لطائر.
بِجَنَاحَيْهِ
متعلق بيطير، وعلامة جره الياء لأنه مثنى والهاء مضاف إليه.
إِلَّا
أداة حصر واستثناء ملغاة.
أُمَمٌ
خبر المبتدأ (دابة) مرفوع بالضمة (أو خبر ما).
أَمْثَالُكُم
نعت لأمم مرفوع بالضمة والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
مَّا
نافية.
فَرَّطْنَا
ماضٍ ونا فاعل.
فِي الْكِتَابِ
متعلق بفرطنا.
مِن
حرف جر زائد لاستغراق النفي.
شَيْءٍ
مفعول به منصوب محلاً مجرور لفظاً بمن الزائدة.
ثُمَّ
حرف عطف للتراخي الرتبي والزماني.
إِلَىٰ رَبِّهِمْ
متعلق بيحشرون قدم للحصر والاهتمام.
يُحْشَرُونَ
مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل مرفوع بثبوت النون والجملة مستأنفة أو معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التفاتة كونية مذهلة تبهر الألباب؛ بعد أن تحدث عن تعنت المشركين في طلب آية، وجه أنظارهم إلى هذا الوجود الرحب المليء بالآيات؛ فكل دابة في غياهب الأرض وكل طائر يرفرف في كبد السماء هم أمم منظمة خلقها الله وقدر أقواتها وأرزاقها وأحصى حركاتها وسكناتها في كتاب لا يضل ولا ينسى؛ ثم هم جميعاً محشورون إلى ربهم ومقضي بينهم؛ فكيف يظن الإنسان العاقل المكلف أنه يترك سدى أو يموت بلا بعث وحساب؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق حشر الدواب والبهائم ومصيرها بعد القضاء:
أثبت أهل السنة والجماعة (النووي في "شرح صحيح مسلم" ج ١٦، ص ١٣٦، وابن تيمية في "منهاج السنة" ج ٥، ص ١٩٠) حشر البهائم والوحوش يوم القيامة بمقتضى قوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} وقوله: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}؛ للقضاء بينها وإظهار كمال عدل الله المطلق حتى يقتص للجلحاء من القرناء.
فإذا قضي بينها واقتص لبعضها من بعض، قال الله لها: كوني تراباً؛ فعند ذلك يتحسر الكافر ويتمنى أن لو كان حيواناً فيقول: {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}. فالحشر للبهائم ليس حشر تكليف وجزاء جنة ونار، بل هو حشر إظهار لعدالة الله التامة وعظم ملكه وسلطانه.
زيادة {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}: تأكيد وإيضاح لرفع أي احتمال للمجاز؛ لأن لفظ الطائر قد يستعمل مجازاً في السريع أو في القدر والعمل كقوله: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ}؛ فجاء قوله {بِجَنَاحَيْهِ} لينص على الطير الحقيقي المشاهد في الجو تأكيداً للعموم والإحاطة.
تسميتها {أُمَمٌ أَمْثَالُكُم}: لفتة بيانية راقية ترتقي بنظرة الإنسان إلى الكائنات؛ فهي كالإنسان في التدبير، والتواصل، وغريزة البحث عن الرزق، والخضوع لمشيئة الخالق الحكيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم الخالق والتدبر في بديع صنعه في الحيوان والطير وتكامل النظم البيئية والمعيشية في مملكته العظمى.
الحذر من الظلم والبغي بكل صوره؛ فإذا كان الله يقتص للشاة العجماء من أختها، فكيف بظلم الإنسان لأخيه الإنسان في الدماء والأعراض والأموال؟!