أحاديث تفرد الله بالنفع والضر وعقيدة التوحيد الخالص:
أخرج الترمذي في "سننه" (رقم ٢٥١٦ وقال: حسن صحيح) وأحمد في "المسند" (ج ١، ص ٢٩٣)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبل١/٢٩٣ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».
وروى الطبري (ج ١١، ص ٢٩٦)مصدر غير محدد١١/٢٩٦ وابن كثير (ج ٣، ص ٢٥٠)مصدر غير محدد٣/٢٥٠ عن السدي في قوله: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ}: «أي إن يصبك الله بمرض أو فقر أو شدة أو بلاء، فلا يقدر على دفعه ورفعه وكشفه عنك أحد سواه، وإن يمسسك بخير من عافية وغنى ونعمة فهو على كل شيء قدير لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَمْسَسْكَ
المسّ هو مباشرة الشيء ونيله بأدنى ملاقاة؛ وعُبّر بالمس للدلالة على أن أقل قليل من الضر لا يكشفه إلا الله، وأن أدنى الخير بيده.
بِضُرٍّ
الضر بضم الضاد كل ما يؤلم الإنسان ويسوؤه في بدنه أو نفسه أو ماله من مرض وفقر وشدة.
فَلَا كَاشِفَ
الكشف رفع البلاء وإزالته؛ واللام نافية للجنس تفيد استغراق النفي لكل كاشف من دون الله.
بِخَيْرٍ
كل ما ينفع العبد ويسره من صحة ورزق وأمن وهداية.
وَإِن
الواو استئنافية، إن حرف شرط جازم.
يَمْسَسْكَ
مضارع مجزوم بإن وعلامة جزمه السكون وحرك بالكسر أو الفتح للتخفيف أو السكون المجرد، والكاف مفعول به.
اللَّهُ
لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة.
بِضُرٍّ
جار ومجرور متعلق بيمسسك.
فَلَا
الفاء رابطة لجواب الشرط، لا نافية للجنس تعمل عمل إن.
كَاشِفَ
اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
لَهُ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا.
إِلَّا
أداة حصر واستثناء ملغاة.
هُوَ
ضمير منفصل بدل من محل اسم لا أو مبتدأ محذوف الخبر، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
وَإِن
الواو عاطفة، إن شرطية.
يَمْسَسْكَ
فعل الشرط مجزوم والكاف مفعول به والفاعل مستتر تقديره هو.
بِخَيْرٍ
متعلق بيمسسك.
فَهُوَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، هو ضمير مبتدأ.
عَلَىٰ كُلِّ
جار ومجرور متعلق بقدير.
شَيْءٍ
مضاف إليه.
قَدِيرٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وجملة (فهو على كل شيء قدير) في محل جزم جواب الشرط الثاني؛ وجاء الجواب عاماً لإفادة حفظ الخير وزيادته والقدرة على كل ما يشاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البرهان على بطلان الشرك ببيان انفراد الله بالنفع والضر:
سياق الآية برهان توحيدي ساحق للأنداد؛ فالمشركون يعبدون أصنامهم رجاء نفعها أو خوفاً من ضرها؛ فبينت الآية أن الضر لا يملكه ولا يكشفه إلا الله، وأن الخير لا يسوقه ولا يقدر عليه إلا الله؛ وإذا كان الأمر كذلك، بطلت ألوهية كل ما سوى الله عقلاً وحساً، وتعين إخلاص التوحيد والعبادة له وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
حكمة التعبير في جواب الشرط الثاني بـ {فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} بدلاً من (فلا مانع له):
سؤال دقيق طالما أورده العلماء: لماذا قال في الأولى: {فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ}، ولم يقل في الثانية: (فلا راد لخيره) كما قال في سورة يونس؟!
والتحقيق البياني الباهر (كما ذكره الزمخشري والرازي وابن عاشور في "التحرير والتنوير" ج ٧، ص ١٦٨): أن قوله {فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أبلغ وأعم؛ لأنه إذا كان قديراً على كل شيء، دل ذلك بطريق البرهان العقلي على أنه قادر على إيصال ذلك الخير وحفظه ومنع من يعارضه، وقادر على مضاعفته وإعطاء أضعافه؛ فكان ذكر القدرة التامة المطلقة دليلاً على عدم الراد وزيادة أفضال لا يحيط بها حصر.
المقابلة بين الضر والخير والتنكير فيهما: تنكير {ضُرٍّ} و {خَيْرٍ} لإفادة العموم والتقليل؛ أي أيّ ضر كائناً ما كان صغيراً أو كبيراً، وأيّ خير دقيقاً أو جليلاً، كله منوط بمشيئة الله وقدرته وحدها.
التعبير بـ {يَمْسَسْكَ}: دلالة على سرعة وقوع البلاء والنعمة وخفتهما على قدرة الله؛ فالكون كله طوع أمره ومشيئته بكلمة "كن".
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قطع التعلق بالمخلوقين وإسقاط هيبتهم من القلب؛ فلا يرجى غير الله لكشف كربة أو مرض، ولا يخاف من بطش جبار ما دامت النواصي بيده.
الرضا التام بقضاء الله وقدره؛ فالضر والخير كلاهما صادران عن حكمة بالغة وقدرة نافذة تستوجب الصبر في الضراء والشكر في السراء.