الروايات في سبب النزول ومرجع الضمير في {يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٢٢)جامع البيانالطبري١١/٣٢٢ وابن أبي حاتم والقرطبي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والضحاك في أحد الوجهين: «{وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ}: أي ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وسماع القرآن، {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}: أي يتباعدون هم بأنفسهم عنه فلا يؤمنون به؛ جمعوا بين الصد عن الحق والتباعد عنه».
والوجه الثاني: ما رواه الطبري وسعيد بن منصور والحاكم عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنها نزلت في أبي طالب وأعمام النبي صلى الله عليه وسلم: «كان أبو طالب ينهى المشركين عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه، وينأى عنه أي يتباعد عن الدخول في دينه والإسلام معه».
وقد رجح الطبري وابن كثير (ج ٣، ص ٢٥٦)مصدر غير محدد٣/٢٥٦ والشنقيطي في "أضواء البيان" (ج ٢، ص ١٢٨)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/١٢٨ القول الأول: «لأنه يعم جميع كفار قريش والمشركين في كل زمان ومكان؛ فهم ينهون الناس عن الإيمان بالقرآن ورسول الله، وينأون ويتباعدون بأنفسهم عن اتباعه؛ فكان الضرر والهلاك عائداً عليهم وحدهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَنْهَوْنَ
النهي هو طلب الكف عن الفعل؛ والمراد يصدون الناس ويمنعونهم من الاستماع إلى القرآن واتباع النبي.
وَيَنْأَوْنَ
النأي هو البعد التام بالبدن والقلب؛ يقال: نأى ينأى نأياً إذا تباعد تباعداً شديداً.
يُهْلِكُونَ
الإهلاك إيقاع الشيء في التلف والدمار؛ وإهلاك النفس حرمانها أسباب النجاة وإيرادها موارد الجحيم.
مَا يَشْعُرُونَ
الشعور هو الإدراك الحسي الدقيق بما يدق من الأمور؛ ونفي الشعور إشارة إلى غفلتهم المطبقة وسكرتهم في الباطل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام تصوير العدوان المزدوج: الصد والتباعد:
تدرج بياني عجيب؛ لما ذكر في الآية السابقة أنهم إذا جاءوا يجادلون ويزعمون أن القرآن أساطير الأولين، بيّن هنا أنهم لم يكتفوا بضلالهم الذاتي، بل تحولوا إلى قوة محاربة تصد الناس عن النور وتنهى عنه، وتتباعد هي في نفس الوقت عن قبوله؛ فجمعوا بين الضلال والإضلال، وبين عمى البصيرة وسوء التدبير؛ فأكد القرآن أن كيدهم هذا لا ينال دين الله بسوء، بل يرتد وبالاً ودماراً على أنفسهم وهم في غفلتهم لا يشعرون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الهلاك المحيط بالمفسدين في الأرض:
تبرهن الآية على حقيقة حتمية الصراع بين الحق والباطل؛ فالطاغية أو الصاد عن سبيل الله يتوهم حين يحارب الدين ويمنع الناس منه أنه ينتصر لنفسه ويثبت سلطانه، لكن المحاكمة العقلية والسننية تثبت أنه إنما يحفر قبره بيده؛ لأن محاربة الفطرة وسنن الله في الكون لا تجلب إلا سخط الخالق ومقت الخلق وسوء المنقلب، فينزل به الهلاك الدنيوي والأخروي من حيث لا يحتسب.
الجناس والتقابل البديعي بين {يَنْهَوْنَ} و {يَنْأَوْنَ}: جناس اشتقاقي وصوتي بارع لا يختلف إلا في تبديل الهاء بالهمزة؛ يبرز تلازم الصد والإعراض؛ فنهيهم لغيرهم ونأيهم بأنفسهم صنوان في الضلال.
الحصر في {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ}: قصر الإهلاك على ذواتهم؛ لبيان أن دعوة التوحيد شجرة باسقة ثابتة لا تهزها رياح الصادين، وأن غاية ما يبلغه المعادي هو إهلاك ذاته وحرمانه من النعيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات والاطمئنان في طريق الدعوة؛ فكل حرب يشنها أعداء الدين لصد الناس عنه إنما هي وبالٌ عليهم وسنة سننية في زوالهم.
الحذر من أن يكون الإنسان سبباً في صد أحد عن سبيل الله أو تخذيله عن الخير ولو بكلمة واحدة.