أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 21)جامع البيانالطبري١٢/٢١ بسنده عن قتادة في قوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}: "صدقاً فيما وعد وقضى وأخبر، وعدلاً فيما حكم وفرض وشرع؛ فلا ينقص من صدقها شيء ولا من عدلها شيء".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 324)مصدر غير محدد٣/٣٢٤: "أي: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الطلب؛ فكل ما أخبر به فهو حق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فهو باطل لأنه لا ينهى إلا عن مفسدة... {لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} أي: ليس أحد يقدر أن يغير كلماته أو ينقض حكمه أو يعقب على قضائه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، {وَهُوَ السَّمِيعُ} لأقوال عباده، {الْعَلِيمُ} بحركاتهم وسكناتهم وسرائرهم".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (8/ 23)مجموع الفتاوىابن تيمية٨/٢٣: "القرآن كله دائر بين هذين الأصلين العظيمين: إخبار عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله ووعده ووعيده وقصص أنبيائه وأممه وهو الصدق التام، وإنشاء لأوامره ونواهيه وشرائعه وأحكامه وهو العدل التام؛ فليس في أخباره كذب ولا وهم، ولا في أحكامه جور ولا ظلم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(تَمَّتْ): التَّمَام هو بلوغ الشيء حداً لا يحتاج بعده إلى زيادة ولا يعتريه نقص؛ وتمت الكلمة: بلغت غاية الكمال والرسوخ.
(صِدْقًا): الصدق هو مطابقة الخبر للواقع والحقيقة في الأزل والأبد.
(عَدْلًا): العدل هو وضع الشيء في موضعه اللائق به ومجانبة الجور والظلم.
(مُبَدِّلَ): من التبديل، وهو التغيير والتحريف والإبطال.
الإعراب والتركيب:
{وَتَمَّتْ}: الواو استئنافية، تمّ فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث حرف مبني لا محل له.
{كَلِمَتُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{رَبِّكَ}: مضاف إليه مجرور، والكاف ضمير متصل مضاف إليه.
{صِدْقًا}: تمييز منصوب، أو حال منصوبة من (كلمة) بتأويل مشتق (أي صادقة وعادلة)، أو مفعول لأجله.
{وَعَدْلًا}: معطوف منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
{لَّا}: نافية للجنس تعمل عمل إنّ.
{مُبَدِّلَ}: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
{لِكَلِمَاتِهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (لا)، أو متعلق بـ (مبدل) لأنه اسم فاعل يعمل عمل فعله.
{وَهُوَ}: الواو عاطفة أو حالية، (هو) ضمير منفصل مبتدأ.
{السَّمِيعُ}: خبر أول مرفوع.
{الْعَلِيمُ}: خبر ثان مرفوع.
القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور وحفص: {كَلِمَتُ} بالإفراد وفتح الكاف وإسكان اللام.
قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حماد وخلف: {كَلِمَاتُ} بالجمع وألف بعد الميم. وكلا القراءتين تدل على جنس الكلمات التامة وجميع آيات الكتاب وشرائعه وأقضيته الكونية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها التأسيسي العظيم: بعد أن وصف الله كتابه في الآية السابقة بأنه {مُفَصَّلًا}، بيّن في هذه الآية صفة هذا التفصيل ومضمونه الأسمى؛ فهو تفصيل بلغ الذروة المطلقة في كمال المعنى؛ حيث انتظمت كل أخباره في الصدق المحض، وانتظمت كل أحكامه في العدل الخالص، وأُوصد الباب أمام أي تبديل أو تغيير، وختم باسميه (السميع العليم) تأكيداً لإحاطته بأقوال المحرفين والجاحدين ونياتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التناقض أو التحريف في القرآن:
{لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}: تقرير قطعي بحفظ القرآن وكلمات الله الشرعية والكونية من التبديل والنقض؛ فلا يستطيع بشر ولا جان أن يبطل حكماً أثبته الله، ولا أن يكذب خبراً صادقاً جاء من عند الله.
الفرق بين النسخ والتبديل المذموم: النسخ الشرعي هو رفع حكم شرعي بخطاب شرعي لاحق من عند الله وفق حكمته ومصلحة العباد، وليس هو من التبديل المنهي عنه؛ لأن الناسخ والمنسوخ كلاهما من كلمات الله الصادقة العادلة في وقتها ومحلها، أما التبديل المنفي فهو الإبطال والتحريف والاعتراض البشري على أحكام الله.
الإيجاز الإعجازي الباهر: جمع الله صفات الوحي والشرائع كلها في كلمتين اثنتين: {صِدْقًا وَعَدْلًا}؛ فالأخبار كلها صدق، والأحكام كلها عدل، وهذا أجمع وصف وأبلغه لكتاب الله.
نفي الجنس بـ (لا) الاستغراقية: في قوله {لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}؛ نفي قاطع لوجود أي مبدل كائناً من كان لكلمات الله وأقداره.
التذييل بـ (السميع العليم): مراعاة للمطابقة؛ السميع للأقوال والأخبار التي يدور حولها الصدق والكذب، والعليم بالأحوال والنيات التي يدور حولها العدل والجور.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
إذا امتزج قلب العبد بالإيقان بصدق أخبار الله وعدل أحكامه، زال عنه كل قلق ورضي بكل ما قضاه الله وقدّره، وسلّم لكل حكم فرضه الله دون أدنى حرج في صدره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج الفكري والعقائدي:
الاحتكام إلى القرآن واليقين بأنه المرجع المعصوم الوحيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن جميع الشرائع والنظريات الوضعية البشرية يعتريها الكذب والجور والنقص بخلاف كلمات الله.
التطبيق العملي والأخلاقي:
التحلي بالصدق في المقال والعدل في المعاملة والأحكام؛ فالمؤمن يقتبس من نور كلام ربه الصدق والعدل في كل شؤون حياته.