أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 95)جامع البيانالطبري١٢/٩٥ وابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي وقتادة في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ}: "شياطينهم من الجن والإنس وسدنة الأوثان زيّنوا للمشركين في الجاهلية قتل أولادهم بالوأد (دفن البنات أحياء خشية العار والفقر) والذبح للأصنام تقرباً ونذوراً؛ كما نذر عبد المطلب ذبح أحد ولده حتى فداه بالإبل، فكان الرجل ينذر لئن وُلد له عشرة أولاد ليذبحن أحدهم لآلهته، وكانوا يئدون البنات مخافة الإملاق والعيلة".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 343)مصدر غير محدد٣/٣٤٣: "يقول تعالى: وكما زيّن الشياطين لهؤلاء أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ولأوثانهم نصيباً، كذلك زيّنوا لكثير منهم قتل أولادهم؛ إما خشية الإملاق، وإما وأداً للبنات مخافة السبي والعار، وإما وفاءً بنذور الأوثان... {شُرَكَاؤُهُمْ} وهم الشياطين وسدنة الأوثان، {لِيُرْدُوهُمْ} أي: ليهلكوهم في النار بالمعاصي والجرائم، {وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} أي: ليخلطوا ويشتبهوا عليهم شريعة إسماعيل بالحنيفية حتى طمسوا معالمها بالوثنية وسفك الدماء الحرام، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} أي: كل ذلك واقع بمشيئته الكونية وابتلائه، {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(لِيُرْدُوهُمْ): من الرَّدَى، وهو الهلاك الأبدي والعطب الشديد في الدنيا والآخرة.
(وَلِيَلْبِسُوا): من اللَّبْس (بفتح اللام)، وهو الخلط والتمويه والتعمية؛ بحيث لا يُعرف الحق من الباطل.
الإعراب والتركيب:
{وَكَذَلِكَ}: الواو استئنافية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي زيّن تزييناً كذلك).
{زَيَّنَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{لِكَثِيرٍ}: جار ومجرور متعلق بـ (زيّن).
{مِّنَ الْمُشْرِكِينَ}: متعلق بمحذوف نعت لـ (كثير).
{قَتْلَ}: مفعول به منصوب لـ (زيّن) وعلامة نصبه الفتحة، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله أو فاعله.
{أَوْلَادِهِمْ}: مضاف إليه مجرور، والهاء مضاف إليه.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ}: الواو حالية، لو شرطية، شاء فعل والفاعل الله والمفعول محذوف، ما نافية، فعلوه جواب لو.
{فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}: الفاء فصيحة، ذرهم فعل أمر ومفعوله، وما يفترون معطوف أو مفعول معه.
القراءات المتواترة والتوجيه النحوي الإعجازي:
قرأ الجمهور وأهل الحجاز والبصرة والكوفة (نافع، أبو عمرو، عاصم، حمزة، الكسائي): {زَيَّنَ... قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} ببناء (زيّن) للمعلوم، ونصب (قتل)، وجر (أولادهم) بالإضافة، ورفع (شركاؤهم) على الفاعلية.
قرأ ابن عامر الشامي (إمام أهل الشام من القراء السبعة): {زُيِّنَ} بالبناء للمجهول، {قَتْلُ} بالرفع نائب فاعل، {أَوْلَادَهُمْ} بالنصب مفعول به للمصدر (قتل)، {شُرَكَائِهِمْ} بالجر بالإضافة إلى المصدر (قتل شركائهم أولادَهم). وحصل الفصل بين المضاف (قتل) والمضاف إليه (شركائهم) بالمفعول به للمصدر (أولادهم)، وهو وجه عربي فصيح متواتر تدعمه شواهد فصحاء العرب كقول الشاعر: (فزججتها بمزجة زجّ القلوصَ أبي مزاده).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتصوير الفظائع الجاهلية: بعد أن كشفت الآية السابقة عدوان المشركين على الأنعام والزروع، ارتقى البيان الإلهي ليكشف عدوانهم الأبشع الذي ينقض أقدس الروابط الفطرية؛ وهو "عدوانهم على الدماء البريئة بقتل فلذات أكبادهم"؛ لبيان أن الشرك لا يقف عند حدود التخريف في الأموال، بل ينحدر بالإنسانية إلى الوحشية المطلقة بانتهاك حق الحياة وقتل الأولاد والبنات بتزيين شياطينهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحليل سيكولوجية الجريمة حين تُرتكب باسم الدين:
تبين الآية أخطر آفات الضلال: "تزيين الجريمة القبيحة لتصير قربة مقدسة"؛ فالقتل في الفطرة الإنسانية من أبشع الجرائم، وحب الوالد لولده غريزة فطرية قاهرة، فكيف أقدم الوالد على دفن ابنته حية أو ذبح ابنه بالسكين؟!
الجواب في قوله: {زَيَّنَ... لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ}؛ ألبس الشياطين وسدنة الأوثان تلك الجريمة ثوب الشرف وحفظ العار والوفاء بالنذر، فخلطوا الدين بالفجور حتى استمرأ الناس ذبح أولادهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً! وهذا قمة التضليل الشيطاني.
التعبير بـ (شُرَكَاؤُهُمْ): إضافة الشركاء إليهم تقريعاً لهم؛ أي آلهتهم وسدنتهم وشياطينهم الذين اتخذوهم شركاء لله، هم أنفسهم الذين قادوهم إلى قتل أولادهم وإهلاك نسلهم.
حين يبتعد المجتمع عن هدى الوحي تنتكس فطرته، فتتحول الرحمة إلى قسوة، وتُزهق الأرواح باسم العادات والتقاليد والمصالح الموهومة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة الحياة وحقوق الطفولة في الإسلام:
إبراز فضل الإسلام ونعمته في تحريم الوأد وتجريم قتل الأولاد وضمان حق الحياة للأجنة والأطفال، وتقرير كرامة الأنثى وحرمتها.
الحذر من تبرير المنكرات بالتقاليد:
محاربة الأعراف الجاهلية المعاصرة التي تسوغ العدوان وسفك الدماء أو حرمان المرأة والضعفاء تحت مسميات الشرف أو التقاليد العائلية، فالشرع حاكم على الأعراف لا العكس.