تشبيه المكذبين بالعاهات الثلاث ومشيئة الله التامة في الهداية والإضلال:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٦٩)جامع البيانالطبري١١/٣٦٩ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ}: «أي صم عن سماع الحق والموعظة فلا يعونها، بكم عن النطق بالتوحيد والخير فلا ينطقون به، عمي يتخبطون في ظلمات الكفر والجهالة والضلالة».
وروى الطبري عن قتادة: «{مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ}: يخلق فيه الضلال ويصرفه عن الهدى بعدله وحكمته، {وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} بفضله ورحمته؛ فالأمر كله بيده ومشيئته لا شريك له».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٦٧)مصدر غير محدد٣/٢٦٧: «مثل ضربه الله تعالى للكفار في انسداد مسالك العلم والهداية عليهم؛ فهم لا يسمعون ما ينفعهم، ولا ينطقون بما ينجيهم، وهم متخبطون في ظلمات لا يبصرون معها نوراً، وهو المتصرف في خلقه بمشيئته النافذة، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
صُمٌّ
جمع أصم، وهو من فقد حاسة السمع؛ واستعير لمن لا ينتفع بما يسمع من آيات الله.
بُكْمٌ
جمع أبكم، وهو الأخرس العاجز عن النطق؛ واستعير لمن لا ينطق بالحق.
فِي الظُّلُمَاتِ
ظلمات الكفر والجهل والشك والحيرة التي تحجب نور الإيمان.
صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
طريق واضح مستوٍ لا عوج فيه، وهو دين الإسلام والتوحيد.
وَالَّذِينَ
الواو استئنافية، الذين اسم موصول مبتدأ.
كَذَّبُوا
ماضٍ والواو فاعل وجملة كذبوا صلة الموصول.
بِآيَاتِنَا
متعلق بكذبوا ونا مضاف إليه.
صُمٌّ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
وَبُكْمٌ
معطوف على صم مرفوع بالضمة.
فِي الظُّلُمَاتِ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثالث أو نعت أو حال من المستكن في صم وبكم.
مَن
اسم شرط جازم مبني في محل نصب مفعول به مقدم لـ يشأ.
يَشَإِ
مضارع مجزوم بـ من وعلامة جزمه السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل هو لفظ الجلالة مؤخر.
الواو عاطفة، من شرطية في محل نصب مفعول مقدم لـ يشأ.
يَشَأْ
مضارع مجزوم والفاعل مستتر يعود على الله.
يَجْعَلْهُ
مضارع مجزوم جواب الشرط والفاعل مستتر والهاء مفعول به أول.
عَلَىٰ صِرَاطٍ
متعلق بيجعله أو بمحذوف مفعول به ثانٍ.
مُّسْتَقِيمٍ
نعت لصراط مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير المأساة المعرفية للمكذبين وإرجاع الأمور إلى مشيئة الفاطر:
بعد أن عرض مشاهد الأمم الأخرى والطيور الخاضعة لأمر الله المسبحة بحمده، أظهر البون الشاسع بين فطرة الحيوانات المنسجمة مع خالقها وبين شقاء الإنسان المكذب؛ فالمكذب قد انغلقت عليه منافذ النور والإدراك فصار أصم أبكم أعمى تائهاً في الظلمات؛ ثم قرر أن هذا التباين مرده إلى مشيئة الله الحكيمة وعدله وقضائه في عباده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق عقيدة أهل السنة في إثبات مشيئة الهداية والإضلال لله ورد شبهات القدرية:
الآية نص قاطع في إثبات القدر وإسناد الهداية والإضلال إلى مشيئة الله التامة: {مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}؛ خلافاً للمعتزلة والقدرية الذين زعموا أن العبد هو الخالق لمشيئته وهدايته وضلاله باستقلال عن الله!
والتحقيق السني الرصين (ابن تيمية في "منهاج السنة" ج ٣، ص ٩٥):
أن مشيئة الله عامة مستغرقة لكل كائن؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وأن إضلاله للمكذب عدل محض منه سبحانه؛ لأنه أضل من علم أنه يختار الباطل ويرد الحق بعد قيام الحجة عليه، كما قال: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}.
وأن هدايته للمؤمن فضل محض ورحمة؛ فالله يضع فضله حيث يعلم أهليته للفضل، ويضع عدله حيث يعلم أنه أهل للخذلان: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.
الاستعارات التمثيلية المركبة في {صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ}: قمة في البلاغة؛ جمع لهم ثلاثة عيوب مانعة من الهداية: الصمم (فلا يسمعون الحق)، والبكم (فلا ينطقون به)، وكونهم في الظلمات (فلا يبصرون طريقاً ولا يجدون مرشداً)، فكيف يهتدي من اجتمعت فيه هذه الآفات المطبقة؟!
التقابل والطباق بين {يُضْلِلْهُ} و {يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: يوضح كمال انقسام الخلائق بموجب العدل والفضل الإلهي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دوام الافتقار إلى الله وسؤاله الثبات على الصراط المستقيم؛ فالهداية نعمة محضة لا يملكها العبد لنفسه، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
شكر نعمة السمع والبصر ونطق اللسان بالتوحيد؛ باستعمال هذه الجوارح فيما يرضي الله وتجنب تعطيلها في الغفلة والعصيان.