أخرج الإمام أحمد وأبو داود (رقم 2818)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨١٨ والترمذي والنسائي وابن جرير الطبري (12/ 36)مصدر غير محدد١٢/٣٦ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جاء أناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، الشاة تموت من قَتلها؟ قال: «الله قتلها»، قالوا: فتزعم أن ما قتلتَ أنت وأصحابك حلال، وما قتله الله بيده حرام؟! فأنزل الله عز وجل: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}".
توجيهات أئمة الفقه والتفسير في أحكام الذبائح والشرك في الطاعة:
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 328)مصدر غير محدد٣/٣٢٨: "استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها وإن كان الذابح مسلماً... وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي: وإن الأكل منه لخروج عن طاعة الله إلى معصيته وضلالته... {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} أي يلقون في قلوب أتباعهم من المشركين تلك الشبهات الزائفة ليماروا بها أهل الحق، {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره ففضلتموه عليه؛ فهذا هو الشرك الأكبر كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ}".
قال الإمام القرطبي في "تفسيره" (7/ 75)مصدر غير محدد٧/٧٥: "هذه الآية أصل عظيم في مسألة خطيرة؛ وهي أن من أطاع مخلوقاً في تبديل شرع الله وتحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله معتقداً جواز ذلك أو مقدماً له على حكم الله فقد اتخذه رباً ووقع في الشرك بالله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(فِسْقٌ): الفِسْق في لغة العرب هو الخروج عن الشيء؛ يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله وحدود شرعه إلى معصيته.
(لَيُوحُونَ): الوحي هنا هو الإلقاء الخفي والوسوسة والتزيين للشبهات في صدور أوليائهم.
(لَمُشْرِكُونَ): الشرك هنا هو شرك الطاعة والتشريع بمتابعة المخلوق في تبديل دين الله.
الإعراب والتركيب:
{وَلَا}: الواو عاطفة، (لا) ناهية جازمة.
{تَأْكُلُوا}: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون، والواو ضمير متصل فاعل.
{مِمَّا}: جار ومجرور متعلق بـ (تأكلوا).
{لَمْ يُذْكَرِ}: لم حرف نفي وجزم وقلب، يذكر مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون وحُرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين.
{اسْمُ}: نائب فاعل مرفوع.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
{عَلَيْهِ}: متعلق بـ (يذكر)، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَإِنَّهُ}: الواو حالية أو استئنافية، إنّ حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل اسمها يعود على الأكل أو على المتروك التسمية عليه.
{إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ (يوحون)، وهم مضاف إليه.
{لِيُجَادِلُوكُمْ}: اللام لام التعليل أو العاقبة، يجادلوكم مضارع منصوب بأن مضمرة وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والكاف مفعول به.
{وَإِنْ}: الواو عاطفة، إن شرطية جازمة.
{أَطَعْتُمُوهُمْ}: فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل، والميم للجمع، والواو للإشباع، والهاء مفعول به.
{إِنَّكُمْ}: إن واسمها.
{لَمُشْرِكُونَ}: اللام المزحلقة، مشركون خبر إن مرفوع بالواو. وجملة إنكم لمشركون في محل جزم جواب الشرط مقترنة برابط محذوف أو هي دليل الجواب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتحذيرها الصارم: بعد أن أمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه في الآية (118)، جاء النهي الصريح الجازم هنا عن ضده: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} حسماً للباب وسداً للذرائع، ثم كشف الوحي عن أصل الشبهات التي يلقيها الخصوم بأنها وحي شيطاني من أبالسة الجن إلى أوليائهم من شياطين الإنس ليماروا المؤمنين، وأعقب ذلك بالتحذير الزاجر من الانزلاق في متابعتهم؛ لأن طاعتهم في استباحة الميتة خروج من التوحيد إلى الشرك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد مغالطة الجاهلية في الميتة:
قال المشركون: (تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله)، وتلك مغالطة منطقية وسفسطة شيطانية كشفها القرآن؛ لأن الميتة ماتت حتف أنفها بمرض أو عفونة أو سم، فاحتبس دمها الفاسد في بدنها وأنتنت، فكانت ضارة بالصحة وخبثاً محضاً، بخلاف الذبيحة التي ذُكيت ذكاة شرعية فأُهرق دمها الفاسد وطهر لحمها وذكر عليها اسم بارئها. ثم إن التحليل والتحريم مردّه إلى إذن الخالق وشرعه لا إلى قياسات فاسدة تنقض الفطرة.
تحقيق مسألة الشرك في الطاعة والاتباع:
قوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}: أصل عقدي عظيم عند أهل السنة والجماعة؛ فالطاعة نوعان:
طاعة في المعصية مع الإقرار بتحريمها: فهذا فسق ومعصية وكبيرة من كبائر الذنوب لا تخرج من الملة.
طاعة في تبديل الحكم الشرعي وتحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله اعتقاداً وقبولاً: فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن التحليل والتحريم من خصائص الربوبية والإلهية، فمن أطاع مخلوقاً في تحليل الحرام متبعاً له على ذلك فقد جعله شريكاً لله في التشريع والحكم.
التأكيد الثلاثي بالحكم على الفعل بالفسق: في قوله {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}؛ بأنّ واللام المسماة بالمزحلقة والاسمية الدالة على الثبوت؛ تنفيراً بالغاً من أكل ما لم يذكر اسم الله عليه.
استعارة مادة الوحي للشيطان {لَيُوحُونَ}: بيان لدقة التخاطب الخفي بين شياطين الجن والإنس وتواردهم على باطل واحد بالوسوسة والإغواء.
الجواب الصادم في الشرط: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}؛ جواب حاسم يقطع كل مساومة في قضايا الحلال والحرام والتشريع.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
الشيطان لا يستسلم أمام الحق، بل يبتكر في كل عصر شبهات فلسفية وعقلانية مموهة ليجعل الحرام حلالاً والحلال حراماً؛ والنجاة في الاعتصام الصارم بالنص القرآني والنبوي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصلابة المبدئية والولاء للشرع:
وجوب اعتزاز المسلم بأحكام دينه وتشريعاته، وعدم الانهزام النفسي أمام شبهات المشككين ودعاياتهم المغرضة؛ فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله.
الوعي بمصادر الأفكار والشبهات:
إدراك المسلم أن كثيراً من الأطروحات الفكرية المنحرفة التي تحارب أحكام الإسلام ليست نتاج تفكير علمي بريء، بل هي نتاج وحي الشياطين وتدبيرهم لزعزعة يقين الأمة.