حجة إبراهيم العقلية ورفعة الدرجات بالعلم في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥١٨)جامع البيانالطبري١١/٥١٨ وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ}: «أي هذه الدلائل والبراهين التي حاجّ بها إبراهيم قومه في الكواكب والقمر والشمس والأصنام، ومحاكمة الخوف والأمن، نحن علمناه إياها ووفقناه لها حتى قطع بها باطلهم ودحض حجتهم؛ {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} بالعلم والحكمة والفهم في الدين، كما رفعنا إبراهيم؛ {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} في تدبيره وقسمته وتفضيله، {عَلِيمٌ} بمن يستحق رفعة الدرجات وبمن لا يستحقها».
وروى الطبري عن زيد بن أسلم: «{نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ}: بالعلم؛ يرفع الله العالم بالحجة والبيان فوق الجاهل درجات كثيرة في الدنيا والآخرة».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٠٩)مصدر غير محدد٣/٣٠٩: «يمتن تعالى على خليله إبراهيم بأنه هو الذي ألهمه تلك الحجج الباهرة التي قهر بها قومه وأسكتهم، مبيناً أن رفعة الدرجات عند الله إنما تنال بالعلم النافع والحجة البالغة والتوحيد الخالص».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{حُجَّتُنَا}: برهاننا القاطع ودليلنا الساطع الذي يفلج الخصم؛ من الحج وهو القصد والغلبة بالحجة.
{آتَيْنَاهَا}: ألهمناها إياه وعلمناه إياها وسددنا فهمه بها.
{نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ}: نرفع منازل ورتباً عالية في العلم والفضل والمنزلة في الدارين.
القراءات المتواترة في {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ}:
قرأ الكوفيون (عاصم وحمزة والكسائي وخلف): {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} بتنوين درجاتٍ وكسرها؛ على أنها مفعول به ثانٍ أو منصوب على نزع الخافض أو مفعول مطلق، و(من) مفعول به أول لنرفع؛ أي نرفع من نشاء درجاتٍ.
وقرأ الحرميان وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: {نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَّشَاءُ} بكسر التاء من غير تنوين وإضافة درجات إلى (مَن)؛ والمعنى: نرفع مراتب من نشاء ومنازله.
الإعراب والتركيب:
{وَتِلْكَ}: الواو استئنافية، تي اسم إشارة مبتدأ واللام للبعد والكاف للخطاب.
{حُجَّتُنَا}: بدل من اسم الإشارة أو خبر المبتدأ مرفوع بالضمة ونا مضاف إليه.
{آتَيْنَاهَا}: ماضٍ ونا فاعل والهاء مفعول به أول والجملة خبر تلك (أو حال).
{إِبْرَاهِيمَ}: مفعول به ثانٍ لآتينا منصوب بالفتحة وهو ممنوع من الصرف.
{عَلَىٰ قَوْمِهِ}: متعلق بمحذوف حال من الحجة (أي حجة قاهرة كائنة على قومه) والهاء مضاف إليه.
{نَرْفَعُ}: مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن.
{دَرَجَاتٍ}: مفعول به منصوب بالكسرة (على قراءة التنوين) أو مفعول مطلق، أو مضاف.
{مَّن}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لنرفع (أو مضاف إليه على قراءة عدم التنوين).
{نَّشَاءُ}: مضارع والفاعل نحن والجملة صلة من.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{رَبَّكَ}: اسم إن منصوب والكاف مضاف إليه.
{حَكِيمٌ}: خبر أول مرفوع بالضمة.
{عَلِيمٌ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج المناظرة بإسناد الفضل لمصدر الهدى وإعلان رفعة أهل العلم:
ختام عظيم لمناظرة الخليل؛ فبعد أن أفحم قومه وأخرس أصنامهم، لم يدع القرآن مجالاً لتوهم أن هذا الذكاء الخارق كان حيلة بشرية محضة من إبراهيم، بل أسند الفضل كله إلى الله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ}؛ ثم قرر القاعدة الكونية: رفعة المنازل عند الله ليست بالملك ولا بالمال، بل بالعلم والتوحيد والحجة الربانية؛ فرفع إبراهيم فوق أهل زمانه درجات في الدنيا والآخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مكانة العقل والبرهان في تقرير أصول العقائد عند أهل السنة:
تثبت الآية أن الحجة العقلية المسددة بالوحي هي هبة إلهية وفضيلة شرعية رفيعة؛ خلافاً لمن ظن أن الإيمان مجرد تقليد أو تسليم أعمى بلا نظر، أو لمن عارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح؛ فالله تعالى سمى استدلالات إبراهيم العقلية الفلكية "حجة الله": {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا}؛ مما يقطع بأن العقل الصريح الفطري جند من جنود الوحي يدعو إليه ويؤيده.
الإشارة بـ {تِلْكَ} للتعظيم والرفعة: استعمل اسم الإشارة للبعيد {تِلْكَ} للإشعار بعلو قدر هذه الحجة وشرف رتبتها في موازين الحق.
التنكير في {دَرَجَاتٍ}: لإفادة العظمة والكثرة؛ أي درجات سامقة لا يحدها حصر في العلم والشرف والكرامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
طلب العلم الشرعي والتفقه في براهين التوحيد؛ فإن رفعة الدرجات الحقيقية عند الله منوطة بالعلم واليقين: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}.
التواضع ونسبة الفضل لله تعالى عند الفتح في العلم والبيان؛ فالحجة هبة من الله يمن بها على من يشاء.