سنة الابتلاء والنصر المؤزر لأهل الصبر في الأثر والسنن:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٤٩)جامع البيانالطبري١١/٣٤٩ وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا}: «يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ويأمره بالصبر؛ يقول: قد كذبت رسل من قبلك ممن بعثناهم إلى أممهم، فصبروا على التكذيب والأذى في جنب الله حتى جاءهم نصرنا بإهلاك عدوهم ونجاتهم؛ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل؛ فإن العاقبة لك ولأتباعك».
وفي "صحيح البخاري" (رقم ٣٦١٢)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٣٦١٢ عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه! والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».
وروى الطبري عن ابن عباس: «{وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ}: أي لا مغير لحكمه وقضائه السابق في اللوح المحفوظ بأن النصر والعاقبة لرسله وأوليائه، كما قال: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَاتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
رُسُلٌ
جمع رسول؛ والتنكير للتعظيم والتكثير؛ أي رسل كرام ذوو عدد وشأن عظيم.
فَصَبَرُوا
الصبر حبس النفس على طاعة الله ومواجهة المكاره باحتساب وثبات.
وَأُوذُوا
نالهم الأذى بالقول والفعل والاضطهاد في سبيل الله.
حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا
الغاية التي ينتهي عندها البلاء ويبتدئ الفتح والظفر.
كَلِمَاتِ اللَّهِ
مواعيده الصادقة وأقداره الماضية وسننه الكونية التي لا تتخلف.
مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ
النبأ هو الخبر العظيم ذو الشأن البالغ؛ ومن للتبعيض أو للبيان.
وَلَقَدْ
الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم محذوف تقديره (والله)، قد حرف تحقيق.
ماضٍ مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة صلة ما.
وَأُوذُوا
الواو عاطفة، أوذوا ماضٍ مبني للمجهول والواو نائب فاعل معطوف على كذبوا.
حَتَّىٰ
حرف غاية وجر.
أَتَاهُمْ
ماضٍ مبني على فتح مقدر، والهاء مفعول به والميم للجمع.
نَصْرُنَا
فاعل أتاهم مرفوع بالضمة ونا مضاف إليه، والمصدر المؤول من أن المضمرة والفعل في محل جر بحتى متعلق بصبروا وأوذوا.
وَلَا
الواو استئنافية، لا نافية للجنس.
مُبَدِّلَ
اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
لِكَلِمَاتِ
متعلق بمحذوف خبر لا وهو مضاف.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
وَلَقَدْ
الواو عاطفة، اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق.
جَاءَكَ
ماضٍ والكاف مفعول به.
مِن نَّبَإِ
جار ومجرور متعلق بمحذوف فاعل جاءك (أي جاءك نبأ من نبأ المرسلين)، أو متعلق بجاءك والفاعل هو المفهوم من السياق.
الْمُرْسَلِينَ
مضاف إليه مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ربط الحاضر بالماضي وتثبيت القلوب بسنة النصر الحتمية بعد الابتلاء:
تدرج بليغ في تثبيت الفؤاد وتوطين النفس؛ فبعد أن أخبره بأنهم لا يكذبونه في قرارة نفوسهم، وسّع دائرة المشهد التاريخي؛ ليوقفه على موكب النبوة الطويل عبر القرون؛ فكل رسول واجه التكذيب والأذى وصبر، ولم يأتِ النصر هبة مجانية، بل جاء غاية ومكافأة بعد الابتلاء؛ ثم ختم بالوعد الإلهي المطلق: كلمات الله وقضاؤه بالنصر للمؤمنين لا يملك أحد تبديلها ولا تحويلها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية سنن الله في الصراع والتمكين واستحالة تبديل الكلمات:
تؤصل الآية لقانون "حتمية النصر بعد استيفاء شروط الابتلاء والصبر"؛ فالمسلمون حين يستبطئون النصر يعلمهم القرآن أن النصر مقرون بغاية {حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا}، وهي لحظة اشتداد الكرب وبلوغ التمحيص منتهاه؛ كما قال في البقرة: {حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.
والرد على شبهة تأخر النصر: النصر ليس تأخراً عشوائياً، بل هو يجري وفق قدر محكم وكلمات لا تبدل، وحكمة ربانية تصنع الرجال وتميز الخبيث من الطيب.