فلق الحبوب والنوى ودلائل الإحياء والإماتة في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٦٥)جامع البيانالطبري١١/٥٦٥ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ}: «الفلق: الشق؛ يشق الحبة في الثرى فيخرج منها الزرع والنبات الرطب، ويشق النواة الصلبة فيخرج منها النخلة والشجرة الباسقة؛ {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} يخرج النبات الحي الأخضر النامي من الحبة اليابسة الميتة، ويخرج المؤمن الحي القلب من الكافر الميت القلب، ويخرج الإنسان من النطفة الميتة؛ {وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} يخرج الحبة والنواة اليابسة من الزرع والنخل الحي، ويخرج الكافر من المؤمن، والنطفة من الإنسان؛ {ذَٰلِكُمُ اللَّهُ} الفاعل لهذه العجائب هو الله ربكم الحق، {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي فكيف تصرفون وتعدلون عن عبادته إلى عبادة ما لا يخلق شيئاً؟!».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣٢١)مصدر غير محدد٣/٣٢١: «يخبر تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه في شق الحبوب اليابسة في ظلمات الأرض فتخرج منها ألوان النباتات والأشجار، وإخراج الأضداد بعضها من بعض؛ دلالة على تفرده بالألوهية ووجوب إفراده بالعبادة دون الأنداد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَالِقُ
الشاق والمفجر؛ يقال: فلق الشيء إذا شقه شقاً نافذاً؛ وفالق الحَب هو الذي يشقها ليخرج منها الرشيم والورق.
الْحَبِّ
بذور الزروع والحبوب كالحنطة والشعير والذرة.
وَالنَّوَىٰ
جمع نواة، وهي عجم التمر وثمار الأشجار الصلبة.
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
إخراج النامي المتغذي من الجماد الساكن، وإخراج المؤمن من الكافر.
فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
اسم استفهام للإنكار والتعجيب؛ والإفك الصرف والقلب؛ أي كيف تُصرفون عن الحق الظاهر إلى الباطل مع قيام هذه البراهين؟!
إِنَّ
حرف توكيد ونصب.
اللَّهَ
لفظ الجلالة اسم إن منصوب بالفتحة.
فَالِقُ
خبر إن مرفوع بالضمة وهو مضاف.
الْحَبِّ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وَالنَّوَىٰ
معطوف مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر.
يُخْرِجُ
مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله والجملة خبر ثانٍ لإن (أو حال أو مستأنفة لتفسير الفلق).
الْحَيَّ
مفعول به منصوب بالفتحة.
مِنَ الْمَيِّتِ
متعلق بيخرج.
وَمُخْرِجُ
الواو عاطفة، مخرج اسم فاعل معطوف على فلق مرفوع بالضمة وهو مضاف.
الْمَيِّتِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
مِنَ الْحَيِّ
متعلق بمخرج.
ذَٰلِكُمُ
اسم إشارة مبتدأ واللام للبعد والكاف للخطاب والميم للجمع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال الكوني الباهر من المحاكمة الأخروية إلى براهين الإحياء الأرضية:
براعة استهلال لمنظومة كونية إعجازية تمتد لعشر آيات؛ فبعد أن أراهم مصيرهم فرادى يوم القيامة، أدار أبصارهم إلى الأرض تحت أقدامهم: تأملوا الحبة والنواة في باطن التربة المظلمة؛ من يشقها؟! ومن يفجر منها الحياة الخضراء؟! ومن يخرج الميت من الحي والحي من الميت؟! ذلكم الإله العظيم هو الله الخالق؛ فكيف تصرفكم الأوهام وتعدلون به أصناماً ميتة لا حياة فيها ولا حركة؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة "فلق الحب والنوى" على البعث بعد الموت:
الآية حجة عقلية تجريبية قاطعة على إمكان البعث؛ فالمنكرون للقيامة يستبعدون خروج الأجساد الحية من القبور والتراب الرميم، فيلفت القرآن أنظارهم إلى هذا المشهد المتكرر أمام أعينهم: الحبة الجافة الميتة والنواة الحجرية الصلبة توضع في التراب المظلم، فيفلقها الله ويخرج منها نباتاً حياً وشجراً مثمراً؛ فالذي أحيا الحبة بعد موتها قادر بالبديهة العقلية على إحياء الأجساد بعد بلائها في القبور؛ فبطل استبعاد البعث عقلاً.