تفسير الآثار في استحالة مخاطبة البشر للملك على صورته النورانية:
أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٠٥-٣١٠)جامع البيانالطبري١١/٣٠٥ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا}: يقول الله تعالى: لو أجبناهم وأنزلنا إليهم رسولاً من الملائكة، لما استطاعوا رؤيته على صورته الملكية النورانية ولا أطاقوا سماع كلامه؛ ولعجزت قواهم البشرية عن احتماله؛ فكان لابد بمقتضى الحكمة أن نجعله في صورة رجل بشري من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله والتعلم منه؛ وحينئذ {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}: أي لخلطنا وشبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم؛ ولقالوا: هذا بشر مثلنا وليس بملك! فما أغنى عنهم اقتراحهم شيئاً وعادوا إلى شكهم وتكذيبهم الأول!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
جَعَلْنَاهُ
صيرناه رسولاً ملكياً.
رَجُلًا
في صورة إنسان ذكر بشري يتمكنون من رؤيته ومجالسته.
وَلَلَبَسْنَا
اللبس (بفتح اللام) هو الخلط والتشبيه والتغمية؛ لَبَسَ يَلْبِسُ لبساً؛ أما اللُّبس (بضم اللام) فهو الثياب.
مَّا يَلْبِسُونَ
ما يخلطونه ويشتبه عليهم من التكذيب ومغالطة الحقائق.
وَلَوْ
الواو استئنافية، لو شرطية امتناعية.
جَعَلْنَاهُ
ماضٍ وفاعله نا والهاء مفعول به أول عائد على الرسول.
مَلَكًا
مفعول به ثانٍ لجعلناه منصوب بالفتحة.
لَّجَعَلْنَاهُ
اللام واقعة في جواب لو، جعلناه ماضٍ وفاعله نا والهاء مفعول أول عائد على الملك.
رَجُلًا
مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، والجملة جواب لو لا محل لها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المحاكمة المنطقية المعجزة لبطلان اقتراح إرسال الملك:
حجة عقلية تفحم المعاندين؛ تدرج معهم القرآن في إبطال شبهتهم:
لو نزل الملك على صورته لهلكتم في الحال {لَّقُضِيَ الْأَمْرُ}.
وإن نزل الملك متجسداً بصورة رجل لتطيقوا رؤيته، فلن تروا إلا رجلاً بشرياً كالصورة التي عليها محمد صلى الله عليه وسلم، وحينها ستعارضون وتقولون: لِمَ أُرسل إلينا رجل مثلنا وليس ملكاً؟! فتدخلون في اللبس والتناقض والشك بعينه؛ فثبت أن إرسال الرسول البشري المؤيد بالمعجزات هو غاية الحكمة والرحمة والوضوح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة بشرية الرسل وضرورة التماثل الجنسي بين الرسول والمرسل إليهم:
تقرر الآية أصلاً معرفياً وتربوياً في فلسفة النبوة:
الرسول لا يُراد منه مجرد إبلاغ كلمات، بل يُراد منه أن يكون "قدوة عملية حية" يُشاهد في صلاته وصيامه وصبره وجهاده وحياته اليومية؛ والملك لا يجوع ولا يعطش ولا يمرض ولا يشتهي ولا يغضب؛ فلو كان الرسول ملكاً لما استطاع البشر الاقتداء به، ولقالوا: هو يطيع لأنه ملك مفطور على الطاعة ونحن بشر تحيط بنا الشهوات؛ فاقتضت حكمة العليم الحكيم أن يكون الرسول بشراً من جنسهم، يعيش آلامهم ويجاهد شهواتهم، لتتم به القدوة وتقوم الحجة البالغة.
الجناس والاشتقاق البديع في {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}: مشاكلة لفظية ومعنوية معجزة؛ فالجزاء من جنس الفعل؛ لما لبسوا على أنفسهم الحق بالتكذيب والمكابرة والبحث عن التعنت، عوقبوا بالوقوع في اللبس والخلط والعمى التام؛ فلا يهديهم شيء ما دام الهوى قائدهم.
التنكير في {رَجُلًا}: لبيان أن الملك متى نزل مجسداً صار فرداً من جنس الرجال، فتنتفي عنه ميزة التمايز المرئي التي يزعمون طلبها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التسليم المطلق لحكمة الله في اختيار الرسل والتشريع، ونبذ الاعتراض بالأوهام الفاسدة.
تقدير نعمة بشرية النبي صلى الله عليه وسلم التي جعلته قريباً من القلوب رحيماً بالمؤمنين قدوة لكل سالك.