تفسير الآثار في الوعيد بحلول أنباء الهلاك ونصرة الحق:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ٢٧٩-٢٨٣)مصدر غير محدد١١/٢٧٩ وابن أبي حاتم وابن كثير عن قتادة ومجاهد والسدي: «{فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ}: الحق هو القرآن العظيم ومحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الهدى؛ عاجلوه بالتكذيب قبل أن يتدبروه؛ {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}: سوف يعاينون حقائق وأخبار ما استهزؤوا به؛ فأنبأهم الله بنصر نبيه وهزيمتهم وقتل صناديدهم يوم بدر، وبخزيهم وعذابهم في الآخرة ونار جهنم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بِالْحَقِّ
الدين الثابت الصادق الذي لا ريب فيه؛ والقرآن الكريم.
فَسَوْفَ
حرف استقبال يدل على التهديد المؤكد وتحقيق الوقوع.
أَنبَاءُ
جمع نبأ، وهو الخبر العظيم الهام الذي له شأن وخطر.
يَسْتَهْزِئُونَ
يسخرون ويستهينون ويستخفون بالوعيد والقرآن.
فَقَدْ
الفاء سببية أو فصيحة، قد حرف تحقيق.
كَذَّبُوا
ماضٍ والواو فاعل.
بِالْحَقِّ
متعلق بكذبوا.
لَمَّا جَاءَهُمْ
لما ظرفية حينية متضمنة معنى الشرط، جاءهم ماضٍ ومفعوله والفاعل مستتر يعود على الحق.
فَسَوْفَ
الفاء رابطة أو عاطفة، سوف حرف استقبال وتهديد.
يَأْتِيهِمْ
مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والهاء مفعول به مقدم والميم للجمع.
أَنبَاءُ
فاعل يأتيهم مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
مَا
اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه لأنباء.
كَانُوا
فعل ماضٍ ناقص واسمها الواو.
بِهِ
متعلق بيستهزئون.
يَسْتَهْزِئُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة خبر كان، وجملة كانوا صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج من الإعراض إلى التكذيب ثم حلول النكال والوعيد:
تدرج نفسي وجنائي بالغ الدقة؛ بين في الآية السابقة أنهم "أعرضوا"، ثم ارتقوا في الجريمة فـ "كذبوا بالحق" فور مجيئه، ثم تجاوزوا ذلك إلى "الاستهزاء والسخرية"؛ فقابل القرآن استهزاءهم بأعظم تهديد: {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}؛ لينقلب استهزاؤهم رعباً وخزياً حين تحل بهم وقائع العذاب في بدر وفي عرصات القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة {لَمَّا جَاءَهُمْ} وكشف التسرع الأعمى في رد الحقائق:
تقرر الآية عيباً عقلياً فادحاً في منهج الكفار: وهو "المبادرة إلى التكذيب الفوري بمجرد المجيء" {لَمَّا جَاءَهُمْ} دون إعطاء العقل مهلة للتأمل والدراسة والبرهان؛ وهذا ديدن كل صاحب هوى؛ يحكم بالرفض قبل أن يسمع؛ فكان تكذيبهم صادراً عن جهل مطبق وتسرع أحمق استوجب العقاب الرادع.
التعبير بـ {أَنبَاءُ} دون "أخبار": النبأ هو الخبر العظيم ذو الشأن البالغ الذي لا يحتمل الكذب؛ فبين أن ما ينتظرهم من عواقب ليس أمراً عادياً، بل هي زلازل وقوارع تقصم ظهورهم.
التوكيد بـ {فَسَوْفَ}: إشعار بأن تأخير العقوبة ليس إهمالاً، بل هو استدراج وإمهال حتى يحين الأجل المضروب فيحل بهم النبأ العظيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحذير المكذبين والمستهزئين بالدين من مغبة استعجال العذاب، واليقين بأن وعيد الله واقع لا محالة.
الصبر واليقين بنصر الله، والاستبشار بأن العاقبة للحق وأهله مهما تطاول الباطل وسخر أتباعه.