أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 232)جامع البيانالطبري١٢/٢٣٢ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن زيد في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ}: "يقول: جعلكم تخلفون القرون الماضية والأمم السالفة؛ قرناً بعد قرن، وأمة بعد أمة، تخلفونهم في ديارهم وأموالهم وأرضهم، {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} في الرزق والقوة والعقل والجاه والصحة والغنى، {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} أي: ليختبر الغني في غناه أيشكر أم يكفر؟ ويختبر الفقير في فقره أيصبر أم يسخط؟ {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ} لمن عصاه وأشرك به وكذب رسله، {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن تاب وآمن وعمل صالحاً".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 373)مصدر غير محدد٣/٣٧٣: "{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} أي: جعلكم تعمرونها جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن... {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} أي: فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوئ والمظاهر والألوان والحكم، {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} أي: ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وأعطاكم إياه؛ لينظر كيف تعملون... ثم ختم السورة بالترهيب والترغيب: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ} في أعدائه، {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لأوليائه ورسله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(خَلَائِفَ): جمع خَلِيفَة أو خَلِيف؛ وهو الذي يخلف غيره في موضعه ويعمر الأرض بعد فنائه.
(لِّيَبْلُوَكُمْ): البَلْوَى الاختبار والامتحان لإظهار ما في النفوس من الشكر والصبر.
الإعراب والتركيب:
{وَهُوَ}: الواو استئنافية ختامية، (هو) مبتدأ مبني على الفتح.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ.
{جَعَلَكُمْ}: فعل ماض مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به أول والميم للجمع.
{خَلَائِفَ}: مفعول به ثان منصوب بالفتحة وهو مضاف، ولم ينون لأنه على صيغة منتهى الجموع.
{الْأَرْضِ}: مضاف إليه مجرور، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَرَفَعَ}: معطوف ماض وفاعله مستتر.
{بَعْضَكُمْ}: مفعول به منصوب والكاف مضاف إليه.
{فَوْقَ}: ظرف مكان منصوب متعلق بـ (رفع).
{بَعْضٍ}: مضاف إليه مجرور.
{دَرَجَاتٍ}: تمييز منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم، أو مفعول مطلق نائب عن المصدر لـ (رفع).
{لِّيَبْلُوَكُمْ}: اللام لام التعليل، يبلوكم مضارع منصوب بأن مضمرة والكاف مفعول به والفاعل مستتر.
{فِي مَا}: متعلق بـ (يبلوكم).
{آتَاكُمْ}: فعل ماض ومفعول به والفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول.
{إِنَّ رَبَّكَ}: إن واسمها والكاف مضاف إليه.
{سَرِيعُ}: خبر (إنّ) أول مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{الْعِقَابِ}: مضاف إليه مجرور.
{وَإِنَّهُ}: الواو عاطفة، إن واسمها.
{لَغَفُورٌ}: اللام المزحلقة للتوكيد، غفور خبر أول لـ (إنّ) مرفوع.
{رَّحِيمٌ}: خبر ثان لـ (إنّ) مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة المقطع والختام الإعجازي لسورة الأنعام: ختمت سورة الأنعام ببيان حقيقة "الوجود البشري والغاية من استخلاف الإنسان في الأرض"؛ فأنتم خلائف تخلفون من قبلكم، والتفاوت بينكم في الأموال والقوى والمواهب ليس للمفاخرة ولا للبغي، بل هو "ميدان ابتبار وابتلاء"؛ ثم كان ختام السورة بقران البأس والرحمة {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ ليبقى القلب معلقاً بين الرجاء والخوف، متأهباً للقاء الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التفاوت الطبقي والرزقي في المجتمعات:
تجيب الآية عن السؤال الأزلي: لمَ لمْ يجعل الله الناس سواسية في الغنى والقوة والذكاء؟
والجواب: أن التفاوت سنة حكيمة تقوم بها عمارة الكون وتسخير الناس بعضهم لبعض {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا}، وهو في الوقت ذاته "أداة امتحان كبرى"؛ فالغنى ليس دليلاً على كرامة صاحبه، والفقر ليس دليلاً على هوانه؛ بل الغنى امتحان للشكر والبذل، والفقر امتحان للصبر والتعفف؛ والميزان النهائي عند الله هو التقوى.
سر وصف العقاب بالسرعة مع كونه في الآخرة:
قوله {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ}: لأن كل ما هو آتٍ قريب، ولأن عقاب الله إذا حل بأمة أهلكها في لمحة بصر، وفي المقابل فإن رحمته ومغفرته سابغة لأوليائه التائبين.
التنكير في (دَرَجَاتٍ): للتفخيم وبيان عظم التفاوت والتنوع في الطاقات والأرزاق.
التعليل الحكيم بـ {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}: تصحيح لمفهوم الملكية؛ فكل ما تملكه من مال أو صحة أو علم هو عطاء إلهي مستودع عندك للامتحان لا للاستكبار.