اصطفاء السلالات الطاهرة والاجتباء الإلهي في الأثر ومأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٢٩)جامع البيانالطبري١١/٥٢٩ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ}: «أي وهدينا وفضلنا قوماً آخرين من آباء هؤلاء الأنبياء (كآدم وسام وإبراهيم)، ومن ذرياتهم ممن اتبعهم بالإيمان (كأولاد يعقوب وسائر صالحي ذراريهم)، ومن إخوانهم الصالحين؛ {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ} أي اخترناهم واصطفيناهم للنبوة والولاية والصلاح؛ {وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لا عوج فيه وهو دين الإسلام».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣١٢)مصدر غير محدد٣/٣١٢: «عطف تعالى بذكر سائر الصالحين من أصولهم وفروعهم وحواشيهم؛ لبيان أن بركة النبوة والتوحيد تسري في الآباء والأبناء والإخوان لمن سلك سبيلهم واتبع هداهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مِنْ
للتبعيض؛ لبيان أن الاصطفاء لا ينال كل فرد من الأنساب بمجرد القرابة، بل يختص بمن آمن وأصلح، رداً على دعوى النجاة بالأنساب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إشاعة الفضل الإلهي وتعميمه على البيوت النبوية الصالحة:
اتساع بديع في دائرة الفضل والاصطفاء؛ فبعد أن سمى ثمانية عشر نبياً بأعيانهم وأسمائهم الكريمة، وسّع الدائرة ليشمل كل من اقتدى بهم وسار على نهجهم من آبائهم الصالحين وذرياتهم المؤمنة وإخوانهم في العقيدة؛ ليفتح الباب أمام كل مؤمن أن يلتحق بهذا الموكب النوراني بالاجتباء والهداية إلى الصراط المستقيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دلالة التبعيض في {وَمِنْ} على نفي المحاباة في ميزان الله:
مجيء حرف التبعيض {وَمِنْ} في الآية قاعدة عقلية وتشريعية كبرى في نفي التزكية المجردة بالأنساب؛ فالله لم يقل: "وآباءهم وذرياتهم وإخوانهم" بالكلية، بل قال: {وَمِنْ آبَائِهِمْ...}؛ لأن في آباء الأنبياء من كان كافراً كآزر والد إبراهيم، وفي أبنائهم من كان كافراً كابن نوح، وفي إخوانهم من خالف كإخوة يوسف في مبتدأ أمرهم؛ فبين أن الاجتباء والفضل لا ينال بالوراثة الطينية ولا بالقرابة الجسدية، بل بالإيمان والعمل الصالح والهداية؛ فدمغ أوهام أهل الكتاب والمشركين الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه بنسبهم.
التعبير بلفظ {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ}: استعارة تمثيلية رشيقة؛ أصل الاجتباء جمع الماء في الجابية لحفظه وصفائه؛ فشبه اختيار الله لهؤلاء الصفوة بجمع أصفى ما في الوجود وتنقيتهم من شوائب الفتن والأدناس.
استيعاب جهات القرابة الثلاث (أصول، فروع، حواشٍ): للدلالة على أن البيت الصالح الذي يقوم على التوحيد يشع نوره في سائر أركانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحرص على صلاح الأسرة وتربية الأبناء والأهل على التوحيد؛ ليكون البيت مسهماً في موكب الاجتباء والهداية.
اليقين بأن النسب الحقيقي عند الله هو نسب التقوى والاتباع، كما قال الشاعر: «لعمرك ما الإنسان إلا بدينه .. فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب».