سبب النزول في مدعي النبوة وأهوال سكرات الموت للكافرين في السنة والآثار:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٥٥)جامع البيانالطبري١١/٥٥٥ وابن أبي حاتم والواحدي عن عكرمة ومجاهد والسدي وقتادة: «نزلت في مسيلمة الكذاب الحنفي، والأسود العنسي الكذاب؛ حيث ادعيا النبوة وقالا: أوحي إلينا ولم يوحَ إليهما شيء؛ ونزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح حين كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فكان إذا أملى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ختام آية غيّر فيه وقال: سأنزل مثل ما أنزل الله؛ فارتد وهرب، ثم تاب وأسلم يوم الفتح وحسن إسلامه».
وفي قوله تعالى: {إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ}: أخرج الإمام أحمد في "المسند" (ج ٤، ص ٢٨٧)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبل٤/٢٨٧ والحاكم والنسائي وابن جرير عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث قبض روح الكافر الطويل قال: «فتنزل إليه ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب! فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب... وتضربهم الملائكة بسياط العذاب ويقولون: أخرجوا أنفسكم!».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣١٨)مصدر غير محدد٣/٣١٨: «لا أحد أظلم ولا أعتى ممن افترى على الله كذباً فادعى النبوة كذباً وزوراً، أو زعم أنه قادر على معارضة القرآن؛ ثم وصف تعالى هول احتضارهم وفظاعة نزع أرواحهم بالعذاب والضرب والمهانة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
غَمَرَاتِ الْمَوْتِ
شدائده وسكراته وأهواله المغرقة التي تغمر العقل والوعي؛ وأصل الغمرة الماء الكثير الذي يغمر القامة.
نائب فاعل لـ يوحَ مرفوع بالضمة، والجملة حالية، وجملة أوحي مقول القول.
وَمَن
الواو عاطفة، من اسم موصول معطوف على من الأولى.
قَالَ
ماضٍ وفاعله مستتر والصلة.
سَأُنزِلُ
السين للاستقبال، أنزل مضارع وفاعله أنا ومقول القول.
مِثْلَ
مفعول به منصوب وهو مضاف.
مَا
اسم موصول مضاف إليه.
أَنزَلَ
ماضٍ مبني على الفتح.
اللَّهُ
لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة والجملة صلة ما.
وَلَوْ
الواو استئنافية، لو شرطية امتناعية وجوابها محذوف لتهويل الأمر (أي لرأيت أمراً فظيعاً هائلاً).
تَرَىٰ
مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر تقديره أنت.
إِذِ
ظرف لما مضى أو يستقبل متعلق بترى وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
الظَّالِمُونَ
مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم (أو فاعل لفعل محذوف).
فِي غَمَرَاتِ
متعلق بمحذوف خبر الظالمون وهو مضاف.
الْمَوْتِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة والجملة في محل جر بإضافة إذ إليها.
وَالْمَلَائِكَةُ
الواو حالية، الملائكة مبتدأ مرفوع بالضمة.
بَاسِطُو
خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم وحذفت النون للإضافة وهو مضاف.
أَيْدِيهِمْ
مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة والهاء مضاف إليه والميم للجمع، وجملة المبتدأ والخبر حالية.
أَخْرِجُوا
أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والجملة في محل نصب مقول قول محذوف (أي قائلين: أخرجوا).
أَنفُسَكُمُ
مفعول به منصوب والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
الْيَوْمَ
ظرف زمان منصوب متعلق بتجزون.
تُجْزَوْنَ
مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
عَذَابَ
مفعول به ثانٍ منصوب وهو مضاف.
الْهُونِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
بِمَا
الباء سببية، ما مصدرية متعلق بتجزون.
كُنتُمْ
ماضٍ ناقص واسمه التاء والميم للجمع.
تَقُولُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر كنتم.
عَلَى اللَّهِ
متعلق بتقولون.
غَيْرَ
مفعول به لتقولون (أو حال) وهو مضاف.
الْحَقِّ
مضاف إليه مجرور.
وَكُنتُمْ
معطوف على كنتم الأولى.
عَنْ آيَاتِهِ
متعلق بتستكبرون والهاء مضاف إليه.
تَسْتَكْبِرُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر كنتم الثانية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح عتاة المفترين ونقل المشهد إلى لحظة النزع المذل:
بعد أن أثبت إنزال القرآن بالحق، تصدى هنا لأخبث طبقات الكفر: الذين يدعون النبوة والوحي زوراً، أو يزعمون قدرتهم على معارضة القرآن؛ ثم نقل المشهد فوراً من كبرهم وجعجعتهم في الدنيا إلى لحظة الاحتضار المهينة؛ حيث تنقض عليهم ملائكة العذاب في غمرات الموت باسطة أيديها بالضرب والتقريع: {أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ}؛ ليذوقوا عذاب الهون والخزي جزاء استكبارهم على الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
إثبات عذاب البرزخ ونزع الأرواح بالحق:
الآية الكريمة عمدة قطعية لأهل السنة والجماعة (ابن تيمية وابن القيم في "الروح") في إثبات أهوال الموت وعذاب البرزخ والقبر للمكذبين؛ فالخطاب الإلهي والملائكي: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} واقع في يوم الموت والنزع؛ و"اليوم" يدل على الفورية؛ مما يقطع بأن عذاب الكافر يبتدئ من لحظة خروج روحه وقبل قيام الساعة الكبرى؛ رداً على منكري عذاب القبر والبرزخ.
التصوير الحسي المروع في {فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ}: مشهد سينمائي قرآني رهيب؛ صور احتضارهم كغرق في لجة أمواج هائلة تكتنفهم من كل جانب، وأيدي الملائكة الغلاظ تنهال عليهم انتزاعاً وضرباً، مما يخلع القلوب.
إضافة العذاب إلى {الْهُونِ}: مقابلة بديعة لجزاء استكبارهم؛ فلما استكبروا في الدنيا عن آيات الله جوزوا بعذاب يقرن الألم الجسدي بالهوان والإذلال النفسي التام؛ فالجزاء من جنس العمل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر التام من القول على الله بلا علم أو التجرؤ على معارضة نصوص الوحي بالآراء الفاسدة.
الاستعاذة بالله من شدائد الموت وسوء الخاتمة، والعمل الصالح لتكون الوفاة بشارة بالروح والريحان.