محاصرة الفطرة بمشاهد أهوال الأسفار وركوب البحر في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٤٤٦)جامع البيانالطبري١١/٤٤٦ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والسدي في قوله تعالى: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}: «يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين محتجاً عليهم ببدائه عقولهم: من يخلصكم وينقذكم إذا ضللتم الطريق في البر واشتدت عليكم ظلمة الليل وغبار الرياح، أو هاجت بكم أمواج البحر في الليلة المظلمة وأيقنتم بالهلاك؟! أليس الله وحده؟! تدعونه حينئذ {تَضَرُّعًا} أي علانية باللسان متذللين، {وَخُفْيَةً} أي سراً في قلوبكم مخلصين؛ وتقولون عاهدين: {لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَٰذِهِ} المهلكة والشدة العظيمة {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} لك الموحدين لعبادتك دون الأوثان؟!».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٨٨)مصدر غير محدد٣/٢٨٨: «يذكر تعالى نعمته على عباده وتفريجه كرباتهم في أحلك الظروف؛ حين تنقطع الحيل في ظلمات المسالك وضياع السبل؛ فلا يملكون إلا التضرع إلى ربهم سراً وعلانية والعهد على الشكر إن أنجاهم».
{يُنَجِّيكُم}: مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر تقديره هو والكاف مفعول به والميم للجمع، والجملة خبر من وجملة الاستفهام مقول القول.
{مِّن ظُلُمَاتِ}: متعلق بينجيكم وهو مضاف.
{الْبَرِّ}: مضاف إليه مجرور.
{وَالْبَحْرِ}: معطوف مجرور.
{تَدْعُونَهُ}: مضارع والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب حال من كاف ينجيكم.
{تَضَرُّعًا}: مصدر في محل نصب حال (أي متضرعين)، أو مفعول مطلق لفعل محذوف.
{وَخُفْيَةً}: معطوف منصوب.
{لَّئِنْ}: اللام موطئة لقسم محذوف، إن حرف شرط جازم.
{أَنجَانَا}: ماضٍ مبني على فتح مقدر في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر ونا مفعول به.
{مِن هَٰذِهِ}: متعلق بأنجانا، والهاء للتنبيه وذه اسم إشارة في محل جر.
{لَنَكُونَنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المحذوف، نكونن مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم جواب القسم واسمه مستتر تقديره نحن.
{مِنَ الشَّاكِرِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر نكونن وعلامة جره الياء، وجملة القسم وجوابه في محل نصب مقول قول محذوف (أي قائلين: لئن أنجانا).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحراج المشركين بوقائع أسفارهم وعهودهم الناكثة:
سياق تصويري عياني يخاطب قريشاً وهم أهل رحلة الشتاء والصيف وركوب البحر للتجارة إلى الحبشة ومصر والشام؛ فذكرهم بتلك المواقف الرهيبة حين تلتبس الطرق في الفيافي أو تعصف الرياح في اللجج؛ كيف يغيب كل أثر للأصنام ويصبح الدعاء خالصاً لله تضرعاً وخفية مع إعطاء العهود المؤكدة بالشكر؛ فكان السؤال سيفاً مسلطاً على ضمائرهم لا يملكون معه جحوداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دلالة الجمع بين التضرع والخفية في كمال الإخلاص:
الجمع بين {تَضَرُّعًا} و {وَخُفْيَةً} يمثل أرقى مراتب الإخبات القسري؛ فالتضرع إعلان للذل باللسان والبكاء، والخفية انعقاد الجنان وإسقاط كل تعلق بالمخلوقين؛ فالآية تبرهن عقلياً على أن المشرك في قرارة تكوينه يعلم يقيناً أن النجاة بيد الله وحده، وأن تعلقه بالأوثان في حال الأمان إنما هو خيانة لعهده الفطري مع الله.