سنة الابتلاء بالشدائد لكسر الكبر وإيقاظ التضرع في الأثر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٣٧٦)جامع البيانالطبري١١/٣٧٦ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ}: «البأساء: الفقر والضيق والشدة في المعيشة، والضراء: المرض والأسقام ونقص الأنفس والأموال، {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أي لكي يتذللوا ويخضعوا ويستكينوا لربهم بالتوبة والإنابة».
وروى الطبري عن قتادة والسدي: «أرسل الله الرسل إلى الأمم الخالية فكذبوها، فابتلاهم بالجوع والفقر والأمراض؛ ليذل كبرياءهم، وليرجعوا إلى الله تائبين متضرعين؛ فلما لم يتضرعوا أخذهم بالعذاب الأكبر».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٢٦٩)مصدر غير محدد٣/٢٦٩: «يقول تعالى مخبراً عن سنته في الأمم المكذبة: إنه أرسل إليهم الرسل، فكذبوا، فابتلاهم بالشدائد في أبدانهم وأموالهم؛ رجاء أن يتضرعوا إلى ربهم ويستجيبوا لرسله؛ فالتضرع عند نزول البلاء هو الغاية المحبوبة لله من عباده».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أُمَمٍ
جماعات عظيمة سابقة كعاد وثمود وقوم لوط.
بِالْبَأْسَاءِ
الشدة والبؤس في المال والمعاش والحروب؛ وأصلها من البأس وهو الشدة.
سياق تربوي عظيم؛ بعد أن بين كيف ينسى المشركون أصنامهم في الشدائد ويلجأون إلى الله وحده، كشف هنا عن حكمة الابتلاء بالمصائب والشدائد؛ فالبلاء ليس انتقاماً عشوائياً، بل هو وخزات تنبيه وتربية إلهية تهدف إلى إيقاظ الفطرة الغافلة، وكسر الطغيان النفسي لكي يتضرع العباد لربهم ويتوبوا؛ فكانت الآية دعوة لأهل مكة ليتعظوا بما حل بمن كان قبلهم قبل فوات الأوان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق دلالة {لَعَلَّهُمْ} في حق الله تعالى:
كيف تأتي {لَعَلَّ} المفيدة للترجي والشك في حق الله العليم بالعواقب؟!
والتحقيق البياني والشرعي (كما حرره ابن جرير الطبري والرازي وابن تيمية):
أن {لَعَلَّ} في كلام الله تفيد "التعليل" وبيان الحكمة والغاية المستحسنة؛ أي: فعلنا ذلك بأممهم لتكون عاقبتهم التضرع ويكون الفعل حاملاً ومقتضياً للتوبة؛ فالحكمة من الابتلاء هي استخراج عبودية التضرع.
وقيل: الترجي باعتبار نظر المخاطبين وأحوال البشر؛ أي لو نظرتم إلى تلك الشدائد لقلتم: لعلهم يتضرعون ويخضعون.
المقابلة البديعة بين {الْبَأْسَاءِ} و {الضَّرَّاءِ}: استيعاب لأصناف المكاره؛ فالبأساء تضرب أرزاقهم ومصالحهم الخارجية، والضراء تضرب صحتهم وأبدانهم الداخلية، لإحكام الحصار على النفس لكي تفيء إلى ربها.
صيغة التفعل في {يَتَضَرَّعُونَ}: تدل على التكلف وبذل الوسع في الخضوع وإظهار الذل لعلام الغيوب، وهي أكمل مراتب الدعاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه التعامل مع الابتلاءات والمصائب؛ فالمؤمن إذا أصابه فقر أو مرض يعلم أنه نداء من ربه للإنابة والتضرع والاستغفار، فيبادر إلى التوبة بدلاً من الجزع والشكوى.
تحذير المجتمعات عند نزول الأزمات الاقتصادية أو الأوبئة الصحية من الركون إلى الحلول المادية المجردة مع الغفلة عن التضرع إلى الله والتوبة من المعاصي.