أخرج الطبري في "جامع البيان" (11/ 572)جامع البيانالطبري١١/٥٧٢ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ}: "أي وليقول مشركو مكة: تعلمت وقرأت على أهل الكتاب من قبلك؛ كذّبوا به وقالوا إنما يعلمه بشر".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 316)مصدر غير محدد٣/٣١٦: "أي وكما بيّنا في هذه السورة الآيات والدلائل على التوحيد، ونفي الشركاء والأنداد، كذلك ننوّع الآيات ونكررها ونبيّنها في كل موطن، وعلّة ذلك وحكمته إقامة الحجة عليهم، وليقول هؤلاء المكذبون المعاندون: درست؛ أي قارأت أهل الكتاب وتعلمت منهم، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ}... {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي: ونصرّف الآيات ليتضح الحق وينجلي لقوم يعلمون الحق فيتبعونه والباطل فيجتنبونه".
وقال القرطبي (7/ 58)مصدر غير محدد٧/٥٨: "تصريف الآيات: تبيينها وإيرادها بوجوه وألفاظ مختلفة دلالةً على قدرة الله وتأكيداً للحق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المعجم والاشتقاق:
(نُصَرِّفُ): من الصَّرْف، وهو تقليب الشيء وتوجيهه من حال إلى حال ومن وجه إلى وجه؛ وتصريف الآيات: تنويعها في الدلائل والمواعظ والوعد والوعيد والأمثال والأحكام.
(دَرَسْتَ): من الدرس، وهو في الأصل محو الأثر وتكرار القراءة حتى يحفظ الشيء ويتقنه؛ والمعنى: قارأت أهل الكتاب وتلقيت عنهم.
الإعراب والتركيب:
{وَكَذَلِكَ}: الواو استئنافية، الكاف اسم بمعنى مثل مبني في محل نصب مفعول مطلق نائب عن المصدر لـ (نصرّف)، و(ذا) اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف للخطاب. التقدير: ونصرف الآيات تصريفاً بديعاً مثل ذلك التصريف.
{نُصَرِّفُ الْآيَاتِ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والآيات مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَلِيَقُولُوا}: الواو عاطفة على علة محذوفة مقدرة (نصرّف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا...)، واللام لام التعاقب أو الصيرورة (لام العاقبة)، أو لام التعليل المبنية على حكمة الابتلاء؛ (يقولوا) فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل.
{دَرَسْتَ}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الخطاب، والتاء فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{وَلِنُبَيِّنَهُ}: الواو عاطفة، اللام للتعليل، (نبيّنه) فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به تعود على القرآن أو الحق أو التصريف.
{لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}: جار ومجرور متعلق بـ (نبينه)، وجملة (يعلمون) نعت لـ (قوم).
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: {دَارَسْتَ} بالألف بعد الدال وتخفيف السين، والمعنى: قارأت أهل الكتاب وجالستهم ودارستهم ودارسوك.
قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: {دَرَسْتَ} بفتح الدال والراء وإسكان السين وفتح التاء، والمعنى: قرأت الكتب وتعلمتها ودرستها.
قرأ ابن محيصن في الشواذ {دَرَسَتْ} بتأنيث الفعل أي بطلت وعفت آثارها وصارت قديمة كأساطير الأولين.
وكلتا القراءتين المتواترتين (دَرَسْتَ / دَارَسْتَ) تُثبت بهتان الكفار وافتراءهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه تعلّم القرآن من غيره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وتناسبها: تبين هذه الآية الحكمة الإلهية من وراء تنويع وتكرار البراهين القرآنية، وأن الآيات حين تتنزل لا تؤثر أثراً موحداً في الجميع لاختلاف القلوب واستعداداتها؛ فالمعاند الجاحد يزداد عتواً ويفتري الأكاذيب فيزعم أن هذا العلم إنما جاء من تدارس الكتب القديمة، بينما الصادق العاقل يزداد به علماً ونوراً وهداية؛ فيظهر التمايز والابتلاء الإلهي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض فرية أخذ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن من أهل الكتاب:
ادعى كفار قريش قديماً وتبعهم المستشرقون حديثاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدارس رهبان النصارى أو أحبار اليهود، وتلك فرية داحضة عقلاً وتاريخاً:
النبي صلى الله عليه وسلم نشأ أمياً بين قوم أميين لا يقرؤون ولا يكتبون بشهادة أعدائه، وعاش أربعين سنة لم يُؤثر عنه طلب علم ولا تدارس كتب {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}.
لسان أهل الكتاب وأسفارهم وتوراة ذلك الزمان كانت بالعبرانية أو السريانية أو اللاتينية، والقرآن جاء في الذروة العليا من الفصاحة والبلاغة والبيان العربي المعجز الذي عجز عنه فصحاء العرب وبلغاؤهم مجتمعين، فكيف يلقنه أعجمي أو متدارس لبشر؟ قال تعالى: {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}.
اشتمال القرآن على تصحيح تحريفات أهل الكتاب، ومحاججتهم وفضح ما كتموه، والشهادة بالهيمنة على كتبهم؛ وهذا لا يتأتى لمن كان تلميذاً لهم.
توجيه لام التعليل في {وَلِيَقُولُوا}: اللام هنا للعاقبة والصيرورة، أو هي لام الحكمة؛ أي أن الله تعالى قدّر هذا التصريف ليبتلي العباد، فكان من عاقبة ذلك وحكمته ظهور خبايا قلوب المعاندين بنطقهم بهذه الفرية الظالمة لتقوم عليهم الحجة الدامغة.
صيغة التفعيل في {نُصَرِّفُ}: تدل على الكثرة والتنويع المستمر والتفصيل البديع.
العطف المتقابل الدال على انقسام الناس: بين عاقبة المعاندين {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} وعاقبة المؤمنين المنصفين {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
تنكير (قَوْمٍ) ووصفهم بـ (يَعْلَمُونَ): تشريف وتكريم لأهل العلم والإيمان، وإشعار بأن الانتفاع التام بنور القرآن إنما يختص به أصحاب القلوب الواعية والعقول البصيرة.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
تنوع أساليب القرآن في تقرير التوحيد (تارة بضرب الأمثال، وتارة بسرد قصص الأنبياء، وتارة ببيان الآيات الكونية، وتارة بالمحاججة العقلية) مائدة ربانية عامة تستوعب كافة الأفهام والمشارب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتعليمي:
وجوب تنويع أساليب الدعوة ووسائل التعليم؛ فالمعلم والداعية يقتدي بالقرآن في تصريف الأدلة والبراهين وتنويع العرض لتناسب مدارك المخاطبين.
التوطين النفسي للداعية؛ فحين يرميك أعداء الحق بالتهم الباطلة ويحاولون التشكيك في مصدر علمك، فاعلم أن ذلك شنشنة قديمة جوبه بها خير الأنبياء وخاتم الرسل، فلا يحزنك مكرهم ولا تصرفك اتهاماتهم عن البيان.