سبب النزول وجدال أحبار اليهود في إنزال الكتب في مأثور التفسير:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٥٤١)جامع البيانالطبري١١/٥٤١ وابن أبي حاتم والواحدي في "أسباب النزول" عن سعيد بن جبير وعكرمة قالا: «جاء رجل من اليهود يقال له فنحاص بن عازوراء (أو مالك بن الصيف) يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟! (وكان حبراً سميناً)، فغضب وقال كفراً ومكابرة: والله ما أنزل الله على بشر من شيء قط! فقال له أصحابه من اليهود: ويحك! ولا على موسى بن عمران؟! فأنزل الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ...} الآية».
وروى الطبري عن قتادة ومجاهد والسدي: «ما عظموا الله حق تعظيمه، ولا عرفوه حق معرفته حين أنكروا رسالاته إلى البشر وزعموا أنه لم ينزل وحياً ولا كتاباً، فألزمهم بالتوراة التي يقرون بها: من أنزلها على موسى نوراً وهدى؟!».
وذكر ابن كثير في "تفسيره" (ج ٣، ص ٣١٥)مصدر غير محدد٣/٣١٥: «يقول تعالى منكراً على هؤلاء المكذبين للرسالات: إنهم ما عظموا الله حق تعظيمه حين نفوا أن يكون أرسل رسولاً أو أنزل كتاباً على أحد من البشر؛ وهذا تعطيل لحكمته ورحمته بالعباد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ}: ما عظموه حق تعظيمه وما عرفوا كمال قدرته وحكمته؛ من القدر وهو التعظيم والمنزلة.
{قَرَاطِيسَ}: جمع قِرطاس، وهو ما يكتب فيه من صحف ودساتير؛ والمراد تقطيع التوراة وتفريقها في صحف متفرقة.
{تُبْدُونَهَا}: تظهرون منها ما يوافق أهواءكم.
{وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}: تكتمون كثيراً مما يخالف أهواءكم كنعت النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم.
{ذَرْهُمْ}: اتركهم واعرض عنهم.
{خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}: باطلهم وتكذيبهم يتسلون به لهواً وعبثاً.
القراءات المتواترة في {تَجْعَلُونَهُ... تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ}:
١. قرأ ابن كثير وأبو عمرو: {يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا} بياء الغيبة في الأفعال الثلاثة؛ عطفاً على قوله (إذ قالوا).
٢. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف: {تَجْعَلُونَهُ... تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ} بتاء الخطاب التفاتاً لمواجهتهم بالتقريع.
الإعراب والتركيب:
{وَمَا}: الواو استئنافية، ما نافية لا عمل لها.
{قَدَرُوا}: ماضٍ والواو فاعل.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب بالفتحة.
{حَقَّ}: مفعول مطلق نائب عن المصدر منصوب وهو مضاف.
{قَدْرِهِ}: مضاف إليه والهاء مضاف إليه.
{إِذْ}: ظرف لما مضى متعلق بقدروا.
{قَالُوا}: ماضٍ والواو فاعل وجملة قالوا مضاف إليه لـ إذ.
{مَا}: نافية.
{أَنزَلَ}: ماضٍ مبني على الفتح.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة.
{عَلَىٰ بَشَرٍ}: متعلق بأنزل.
{مِن}: حرف جر زائد لاستغراق النفي.
{شَيْءٍ}: مفعول به لأنزل مجرور لفظاً منصوب محلاً، وجملة ما أنزل مقول القول.
بعد أن استعرض موكب الأنبياء الثمانية عشر وكتبهم ونبواتهم، واجه هنا أكبر شبهة رماها المنكرون لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا في غمرة المكابرة: {مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}؛ فكان الرد صاعقاً بإلزامهم بما يعترفون به: من أنزل التوراة على موسى التي جعلتموها قراطيس مجزأة تبدون ما يروق لكم وتكتمون ما يفضحكم؟! ثم أمره بحسم الجواب: {قُلِ اللَّهُ} ودعهم في خوضهم يعبثون حتى يلاقوا يومهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة "تعطيل النبوة" كقدح صريح في كمال الربوبية:
تؤصل الآية لبرهان عقلي باهر: القول بأن الله لم ينزل على بشر من شيء قدح شنيع في حكمة الله وعدله ورحمته؛ إذ كيف يخلق الله هذا العالم المكلف ويهبه العقل والشهوة ثم يهمله سدى بلا رسالة ولا كتاب يبين له طريق النجاة والهلاك؟! فمن زعم ذلك فما قدر الله حق قدره، ونسب الحكيم العليم إلى العبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
التشنيع عليهم بـ {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ}: استعارة حسية فاضحة؛ صور جنايتهم على الوحي بتقطيعه دساتير وقراطيس متفرقة يباع بعضها ويكتم بعض؛ لإبراز التلاعب بأحكام الشريعة.
الحسم الفوري في {قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}: بلاغة الإيجاز والازدراء؛ أمره بإعلان كلمة الحق ثم الإعراض التام عن لغوهم؛ لأن المكابر بعد قيام الحجة لا يستحق إلا الإهمال والتحقير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم قدر الله في النفوس ومعرفة كمال حكمته ورحمته في إرسال الرسل وإنزال الكتب.
الحذر من كتمان العلم وتحريف النصوص الشرعية لإرضاء أهواء الجماهير أو تحقيق مصالح دنيوية عاجلة.