تفسير الآثار في حصر الملك المطلق والقدرة التامة المحيطة لله وحده:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ٢٤٣-٢٤٦)مصدر غير محدد١١/٢٤٣ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: «يختم الله تعالى هذه السورة العظيمة بتقرير حقيقة الوجود الكبرى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ}؛ فله سبحانه الخلق والأمر، والملك والتدبير، والسيادة المطلقة على كل ما في السماوات وما في الأرض؛ وعيسى وأمه والحواريون والملائكة وسائر الأنبياء والخلائق كلهم ملك لله وعبيد في قبضته وسلطانه؛ {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا يعجزه شيء، ولا يشاركه في ملكه أحد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُلْكُ
السلطان والاستيلاء والتصرف المطلق بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتشريع.
وَمَا فِيهِنَّ
استعملت "ما" لتعم العقلاء وغير العقلاء من الخلائق والملائكة والأجرام والذرات.
قَدِيرٌ
صيغة مبالغة على وزن فعيل تدل على كمال القدرة الأزلية الأبدية التامة التي لا يلحقها عجز ولا قصور.
لِلَّهِ
اللام حرف جر، لفظ الجلالة مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
مُلْكُ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، وتقديم الخبر يفيد القصر والحصر.
السَّمَاوَاتِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وَالْأَرْضِ
معطوف مجرور بالكسرة.
وَمَا
معطوف على السماوات، ما موصولة مبنية في محل جر.
فِيهِنَّ
متعلق بمحذوف صلة الموصول لا محل لها، وضمير الجمع يعود على السماوات والأرض وما بينهما.
وَهُوَ
الواو استئنافية، هو ضمير منفصل مبتدأ مبني على الفتح.
ختام يفوق الوصف؛ تلاقت فيه أطراف السورة بخواتيمها؛ افتتحت السورة بتقرير سلطان التشريع والتحليل والتحريم {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}، ومضت عبر ١٢٠ آية تفصل العقود والفرائض والحدود وتدحض ألوهية المسيح والتثليث ومزاعم اليهود {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، ثم التقت في هذه الآية الأخيرة بتقرير الأصل الأصيل الذي تنبثق منه كل الشريعة وكل العقائد: "أن الملك كله والقدرة كلها لله وحده لا شريك له"؛ فإذا كان الملك لله وحده فكيف يُعبد المسيح وهو من بعض ما فيهن؟! وكيف يُشرع غير شرع الله؟! فاستقر التوحيد الخالص وسجدت العقول لجلال الحي القيوم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض كل دعاوى الشرك والتأليه والتفويض الكوني:
تقطع الآية شأفة كل مذهب شركي قديم وحديث:
فالمسيح، ومريم، وعزير، والملائكة، والأفلاك، والأولياء، والكون بأسره داخلون قطعاً تحت عموم قوله {وَمَا فِيهِنَّ}؛ وما كان مخلوقاً مملوكاً في السماوات والأرض استحال عقلاً وفطرة أن يكون إلهاً أو شريكاً أو رباً أو نداً للرب الخالق؛ فبطل التثليث، وبطلت عبادة الأوثان، وبطلت ادعاءات الوساطة والحلول والاتحاد؛ وقامت الحجة العقلية التامة بأن الإله هو المالك القادر القدير وحده.
أسلوب القصر بتقديم الجار والمجرور في {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ...}: حصر الملك الحقيقي التام في الله سبحانه، وسلب الملكية الحقيقية والاستقلال عن سائر الخلائق.
التعبير بـ {وَمَا فِيهِنَّ} دون "ومن فيهن": لتغليب جانب الكثرة الهائلة من الجمادات والحيوانات والكائنات على العقلاء؛ وللتنبيه على أن العقلاء أنفسهم من حيث هم مخلوقات مربوبة يتساوون مع سائر الموجودات في الخضوع لملكية الله وقهره.
الختام الجامع الكلي بـ {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: شمول مطلق يعم الدنيا والآخرة، والبعث والنشور، وإثابة الصادقين وعقاب المكذبين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
امتلاء القلب بتعظيم الله وتوحيده، واليقين بأنه لا مالك ولا متصرف في الوجود إلا الله.
التحرر الكامل من الخوف من المخلوقين أو التذلل لهم، والاعتماد المطلق على القدير الذي بيده ملكوت كل شيء.