تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 490)جامع البيانالطبري١٨/٤٩٠: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في ختام سورة طه العظيمة: {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ}: أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين: كل واحد منا ومنكم منتظر ومترقب لما يؤول إليه الأمر وتصير إليه العاقبة؛ نحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، وأنتم تتربصون بنا ريب المنون وزوال دعوتنا، {فَتَرَبَّصُوا}: أمر تهديد ووعيد؛ أي فانتظروا فإنا منتظرون، {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ}: فستعلمون عن قريب يوم القيامة ويوم بدر من هم أهل الطريق المستقيم الواضح المعتدل العادل الذي لا اعوجاج فيه؛ أنحن أم أنتم؟ {وَمَنِ اهْتَدَىٰ}: ومن المهتدي حقاً إلى رضوان الله وجناته، ومن الضال الخاسر في دركات الجحيم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 362)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٦٢: يوضح ابن كثير أن ختام السورة جاء قاطعاً حاسماً لكل مراء وجدل؛ بإعلان المفارقة التامة وتفويض الحكم إلى الله الديان، وتهديدهم باليوم المشهود الذي تتجلى فيه الحقائق وتنكشف فيه عواقب الأمور، ومثله قوله تعالى في سورة الأنعام: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 377)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٧٧: يبين القرطبي أن الصراط السوي هو طريق التوحيد والصواب والعدل الذي لا يضل سالكه، وأن قوله: {فَتَرَبَّصُوا} صيغة أمر مراد بها التهديد والوعيد الشديد، والسين في {فَسَتَعْلَمُونَ} لتأكيد قرب انكشاف الحقيقة وزوال حجب الوهم.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 387)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٨٧: يحلل ابن عاشور براعة المقطع الختامي لسورة طه؛ فبدأت السورة بنفي الشقاء عن النبي صلى الله عليه وسلم {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}، وختمت بتقرير أن أصحاب الصراط السوي والمهتدين هم السعداء الفائزون، وأن المكذبين المتربصين هم أهل الشقاء والخيبة، فالتأم طرفا السورة في أبهى حلل الإعجاز.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
كُلٌّ: اسم يفيد استغراق الأفراد، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه (أي كل واحد منا ومنكم).
مُّتَرَبِّصٌ: التربص: الانتظار والترقب لوقوع الأمر ومآل العواقب مع التمهل.
الصِّرَاطِ: الطريق الواسع الواضح السهل.
السَّوِيِّ: السوي: المستقيم المعتدل المبرأ من العوج والانحراف.
اهْتَدَىٰ: الاهتداء: اتباع الهدى والرشاد وسلوك صراط الله المستقيم.
الإعراب والتركيب:
قُلْ: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
مَنْ: اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ علق فعل العلم عن العمل اللفظي في مفعوليه.
أَصْحَابُ: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
الصِّرَاطِ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
السَّوِيِّ: نعت لـ الصراط مجرور وعلامة جره الكسرة.
وَمَنِ: الواو عاطفة، ومن اسم موصول أو استفهام معطوف على من الأولى.
اهْتَدَىٰ: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول أو خبر، وجملة الاستفهام سدت مسد مفعولي تعلمون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: خاتمة السورة مسك وبلاغ مبين؛ كلمة الفصل التي تقطع حبال المراء، وتوكل الحكم النهائي لمحكمة العدل الإلهية.
التناسب البلاغي وبراعة المقطع: تناسق بديع بين فاتحة السورة وخاتمتها:
وختمت السورة بتقرير أن هذا القرآن بينة الصحف الأولى، وأن أتباعه هم أصحاب الصراط السوي والمهتدون إلى السعادة الأبدية، ليتحقق الوعد الإلهي بنفي الشقاء عن المتمسكين بالوحي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: صيغة الأمر في {فَتَرَبَّصُوا} تفيد الإذن أو الأمر بالانتظار، فهل يؤمر الكفار بالتربص؟
دفع الشبهة وأساليب البلاغة القرآنية:
الأمر هنا ليس أمراً تشريعياً للرضا بكفرهم وتربصهم، بل هو أمر تهديد وتوبيخ وتعجيز كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
المعنى: إن كنتم تتربصون بنا الدوائر وتنتظرون فناء دعوتنا، فانتظروا ما يحل بكم من بأس الله وخزيه، فالأيام بيننا وموعدنا الصبح، أليس الصبح بقريب؟!
الإيجاز بالحذف في تنوين العوض في {كُلٌّ} لإفادة التعميم المطلق بين الفريقين.
السين في {فَسَتَعْلَمُونَ} لتقريب زمن المعاينة؛ فكل آتٍ قريب، وما هي إلا غمضة عين حتى يلقى كل فريق مآله.
الجمع بين وصفي الحق: {أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ} في المنهج، و{وَمَنِ اهْتَدَىٰ} في السلوك والنتيجة.
التدبر الإشاري: في ختام هذه السورة المباركة يستقر في روع المؤمن يقين لا يتزعزع بأن طريق التوحيد والاستمساك بالوحي هو الصراط السوي الوحيد، وأن كل الطرق الأخرى نهايتها الضلال والشقاء والعري والعمى في المحشر؛ فطوبى لمن سلك الصراط السوي واهتدى بنور ربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
إنهاء الجدال مع المعاندين المستكبرين بالحسم والثقة المطلقة بنصر الله ووعده.
الثبات على الصراط السوي وعدم الالتفات إلى تربص المتربصين وشبهات المبطلين.
الأثر التربوي والإيماني:
سكون النفس وطمأنينة القلب بالانتماء إلى أصحاب الصراط السوي، والاجتهاد الدائم في لزوم الاستقامة وسؤال الله حسن الختام والفوز بالدرجات العلى في جنات عدن.