تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 388)جامع البيانالطبري١٨/٣٨٨: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد والسدي أن السامري لما قذف ما كان معه من الحلي وقبضة أثر فرس جبريل في النار، صاغ منها تمثالاً على صورة عجل مجوف: {عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ}: أي تمثالاً من ذهب مصمت أو مجوفاً، يدخل الريح من دبره فيخرج من فمه فيحدث صوتاً يشبه خوار البقر الحقيقي، فلما سمعوا ذلك الصوت قال السامري وأتباعه من المنافقين: {هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ}: أي هذا إلهكم الذي تبحثون عنه، وإله موسى الذي ذهب يطلبه عند الطور، فنسي موسى ربه هنا وذهب يطلبه هناك!
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 328)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٢٨: يبين ابن كثير ضلالهم العقلي وسفههم؛ كيف يعبدون تمثالاً صاغه إنسان بيده، لا يتكلم ولا يبصر، وإنما يخرج صوتاً بحركة الرياح في جوفه، {فَنَسِيَ} أي ضل موسى ونسي مكان ربه بزعمهم الباطل، أو نسي السامري ما كان عليه من الإيمان والتوحيد فارتد.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 278)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٧٨: يذكر القرطبي أن الخوار هو صوت البقر، والجسد هو الجسم المصنوع الذي لا روح فيه ولا حياة، ووصفه بالجسد تأكيد على أنه مادة جامدة خالية من الحياة والقدرة الإلهية، وصوته لم يكن كلاماً بل صوتاً هوائياً ميكانيكياً.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 301)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٠١: يحلل ابن عاشور سر اختيار السامري لصورة العجل بالذات؛ وذلك لأن بني إسرائيل عاشوا في مصر قروناً وكان المصريون يعبدون الثور المقدس (أبيس)، فرسخت تلك الصورة الوثنية في لاوعيهم الجمعي، فاستغل السامري هذا الاستعداد النفسي لخداعهم وإخراج هذا الصنم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
عِجْلًا: ولد البقرة الصغير.
جَسَدًا: الجسد: البدن الذي لا حياة فيه ولا حراك ذاتي، ويطلق على تمثال الجماد والذهب المصنوع.
خُوَارٌ: صوت البقر وثغاؤها.
فَنَسِيَ: النسيان: الغفلة وترك الشيء، والمراد به هنا: ضل موسى الطريق إلى ربه، أو ترك السامري الإيمان وتناساه.
الإعراب والتركيب:
فَأَخْرَجَ: الفاء عاطفة، وأخرج فعل ماضٍ، وفاعله مستتر تقديره السامري.
لَهُمْ: جار ومجرور متعلق بـ أخرج.
عِجْلًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
جَسَدًا: بدل من عجلاً أو نعت له منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
لَّهُ: جار ومجرور خبر مقدم.
خُوَارٌ: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والجملة الاسمية في محل نصب نعت ثانٍ لـ عجلاً.
مُوسَىٰ: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر.
فَنَسِيَ: الفاء عاطفة، ونسي فعل ماضٍ مبني على الفتح، وفاعله مستتر تقديره موسى (أو السامري).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: تفصيل كيفية وقوع الفتنة؛ حيث استدرجهم السامري بالصنعة الفنية والتمويه الصوتي حتى أوقعهم في الشرك الصراح.
التناسب البلاغي: وصف العجل بـ {جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ} جمع بين أمرين حقيرين: جمود الجسد الخالي من الروح، والصوت البهيمي الساذج، لبيان مدى انحدار عقولهم التي سجدت لمثل هذا الكائن المهين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل كان الخوار حقيقياً بانقلاب الذهب لحماً ودماً أم كان بفعل تجويف الريح؟
دفع الشبهة والتحقيق العلمي:
أكثر المحققين من المفسرين (كالرازي وابن عاشور ومجاهد) على أنه كان مجوفاً من الذهب، فصنعه بحيلة هندسية تجعل الهواء يمر في تجويفه فيحدث صفيراً وصوتاً كخوار البقر، فلما كان القوم جهالاً توهموا أن هذا الصوت دليل ألوهية وحياة.
وقيل: انقلب لحماً ودماً بسبب تراب أثر الرسول، ولكن الأول أوفق لوصف القرآن له بأنه {جَسَدًا}، ولرد القرآن العقلي عليهم في الآية التالية: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا}، فلو كان حياً ناطقاً لكان الخطاب مختلفاً.
تنكير {عِجْلًا} و{جَسَدًا} و{خُوَارٌ} للتحقير وبيان تفاهة هذا المعبود المصطنع.
الحكاية الفاضحة لقولهم: {هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ} لتسجيل سفاهتهم واجترائهم على كليم الله في غيبته.
التدبر الإشاري: إذا خلت القلوب من تعظيم الله وعلمه الراسخ، استبد بها الوهم وسجدت لأتفه المظاهر؛ فالأصنام تتغير أشكالها في كل عصر، لكن جوهر الوثنية واحد وهو الانبهار بالمادة الصامتة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
كشف زيف الخوارق الشيطانية والحيل البصرية التي يستخدمها الدجالون لصرف الناس عن التوحيد الخالص.
التأكيد على أن الآلهة الباطلة لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعاً ولا ضراً، وأن العقل السليم يأبى الخضوع لمصنوع عاجز.
الأثر التربوي والإيماني:
تنزيه الله تعالى عن كل نقص وشبيه؛ فرب العالمين الحي القيوم العليم السميع لا يشبه شيئاً من خلقه: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}.