تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 395)جامع البيانالطبري١٨/٣٩٥: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن موسى عليه السلام بعد أن واجه بني إسرائيل ووبخهم، التفت إلى أخيه وخليفته هارون عليه السلام معاتباً ومستفسراً عن سر بقائه بينهم بعد أن رآهم ارتدوا عن التوحيد وعبدوا العجل، فقال: {يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا}: أي أي شيء صدك وحبسك حين أبصرت ضلالهم ووقوعهم في الشرك أن تفارقهم وتلحق بي إلى الطور ومعك من أطاعك من المؤمنين؟
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 331)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣١: يبين ابن كثير أن موسى توجه إلى هارون بالعتاب الحار لكونه القائد المسؤول المستخلف في غيبته؛ لأن حفظ التوحيد وسلامة الجماعة أمانة كبرى لا تحتمل التهاون، فكان سؤاله استجلاءً للموقف وكشفاً لأسباب عدم المفاصلة المكانية التامة مع عبدة العجل.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 285)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٨٥: يذكر القرطبي أن عتاب الأخ لأخيه الأكبر كان بدافع الغيرة العظيمة لله ولدينه؛ فموسى رأى الشرك قد فشا في رعيته، وهارون هو المؤتمن عليهم بنص قوله له قبل الذهاب: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 308)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٠٨: يشير ابن عاشور إلى أن الاستفهام في {مَا مَنَعَكَ} طلب للبيان عن المانع القوي الذي حال بين هارون وبين اتخاذ إجراء حاسم بالهجرة أو المفاصلة وملاحقة موسى لإخباره بما حدث.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
مَا مَنَعَكَ: المنع: الحيلولة بين الشخص وبين مراده وفعله.
إِذْ: ظرف زمان لما مضى من الزمان، خافض لشرطه متعلق بـ منعك.
ضَلُّوا: الضلال: العدول عن طريق الحق المستقيم، والوقوع في الشرك.
الإعراب والتركيب:
قَالَ: فعل ماضٍ، والفاعل مستتر تقديره موسى.
يَا هَارُونُ: يا حرف نداء، وهارون: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب دون تنوين لمنعه من الصرف.
مَا: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
مَنَعَكَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على ما، والكاف: مفعول به، والجملة خبر المبتدأ.
إِذْ: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بـ منعك.
رَأَيْتَهُمْ: فعل ماضٍ وفاعله، والهاء: مفعول به أول للرؤية العلمية أو البصرية، والميم: للجمع.
ضَلُّوا: فعل ماضٍ وفاعله، والجملة في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ رأيتهم (أو حال إن كانت الرؤية بصرية)، وجملة رأيتهم في محل جر مضاف إليه لـ إذ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد محاكمة الأمة المفتونة، انتقل السياق إلى مساءلة القيادة النائبة؛ تدرجاً في استجلاء أبعاد الأزمة ومعرفة أسباب اتساع الخرق فيها.
التناسب البلاغي: إفراد هارون بالنداء وتجريده عن الألقاب {يَا هَارُونُ} يظهر صرامة المحاسبة القيادية وهيبة كليم الله عند انتهاك حدود التوحيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل كان سؤال موسى لهارون اتهاماً له بالتقصير أو الرضا بالشرك؟
دفع الشبهة:
حاشا لموسى أن يتهم نبياً معصوماً بالرضا بالشرك؛ ولكنه عتاب المشفق وغيرة المحب الذي صُدم بوقوع الكفر في عسكره، فأراد معرفة المانع الذي منعه من اللحوق به أو مجاهدتهم.
هذا العتاب الصريح يثبت أن الأنبياء يتناصحون ويتعاطفون ويتساءلون في إطار المسؤولية وحفظ أمانة الرسالة.