تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 485)جامع البيانالطبري١٨/٤٨٥: يروي الطبري عن قتادة وابن عباس ومجاهد في تعنت مشركي مكة واقتراحهم الآيات الحسية: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ}: أي هلا جاءنا محمد بمعجزة حسية خارقة نقترحها نحن عليه؛ كتحويل الصفا ذهباً أو تفجير الأنهار في مكة كما جاءت ثمود بالناقة؟ فرد الله عليهم مفحماً ومبيناً عظم المعجزة التي بين أيديهم: {أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ}: أولم يأتهم هذا القرآن العظيم المعجز المصدق لما في التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى من الأخبار والغيبيات والتوحيد، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب؟ فهل بعد هذه الآية العقلية الخالدة الباهرة من آية يطلبونها؟!
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 361)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٦١: يوضح ابن كثير أن مشركي قريش طلبوا الخوارق الحسية على سبيل العناد والمكابرة، مع أن القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو أعظم الآيات؛ فقد تضمن تصديق الكتب السابقة وتفصيل ما حرفوه، وبيان قصص الأنبياء الماضين على وجهها الحق، وهذه أعظم بينة تشهد بنبوته ورسالته.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 373)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٧٣: يذكر القرطبي القراءات في {أَوَلَمْ تَأْتِهِم}: قرأ الجمهور بالتاء الفوقية: {أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ} لتأنيث البينة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر عن عاصم بالياء التحتية: {أَوَلَمْ يَأْتِهِم بَيِّنَةُ} للفصل بين الفعل والفاعل المؤنث غير الحقيقي.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 383)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٨٣: يحلل ابن عاشور الاستدلال بالقرآن؛ فبين أن إخبار النبي الأمي بما في صحف الأقدمين وتصحيحه لأخطائهم دون أن يتعلم منهم برهان عقلي قاطع لا يحتمل الشك، وهو أرقى من الآيات الحسية التي تنقضي بمجرد وقوعها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
لَوْلَا: حرف تحضيض وتوبيخ وتعجيز هنا بمعنى هلا.
بَيِّنَةُ: الحجة الواضحة القاطعة الكاشفة للحق.
الصُّحُفِ: جمع صحيفة، وهي الكتب المنزلة كصحف إبراهيم والتوراة والزبور والإنجيل.
الْأُولَىٰ: السابقة المتقدمة في النزول والزمان.
الإعراب والتركيب:
وَقَالُوا: الواو استئنافية، وفعل ماضٍ وفاعله.
لَوْلَا: حرف تحضيض مبني على السكون.
يَأْتِينَا: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على محمد، ونا: مفعول به.
الْأُولَىٰ: نعت لـ الصحف مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: ختام السورة بمحاكمة العقل المشرك المتعنت؛ حيث كشف القرآن عن سفاهة مطالبهم في اقتراح الخوارق الحسية بعد أن غمرهم بنور أعظم آية في الوجود وهي القرآن الكريم.
التناسب البلاغي: الاستفهام الإنكاري {أَوَلَمْ تَأْتِهِم} لإلجامهم بالحجة الحاضرة بين أيديهم وإسقاط كل حيل التهرب والتكذيب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا لم يستجب الله لاقتراحاتهم بإنزال الآيات الحسية التي طلبوها لإلزامهم بالإيمان؟
دفع الشبهة وسنة الله في المكذبين:
سنة الله الماضية في الأمم السابقة أن الآيات المقترحة إذا نزلت ثم كذبوا بها عوجلوا بالهلاك والاستئصال التام كما حدث لثمود وقوم صالح: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ}.
رحم الله هذه الأمة فلم يجبهم إلى مقترحاتهم رحمة بنبيه صلى الله عليه وسلم، ليدخل في الإيمان من يخرج من أصلابهم.
القرآن الكريم آية عقلية بيانية خالدة باقية لكل الأزمان والأجيال، وهو أعظم إعجازاً من كل الآيات المادية المنقضية.
التعبير بـ {بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ}؛ لبيان هيمنة القرآن على الكتب السابقة وتصديقه لأصولها وتطهيرها من التحريف.
الإيجاز البليغ في حكاية قولهم المتعنت والرد المباشر عليه.
التدبر الإشاري: من عميت بصيرته عن نور القرآن فلن تنفعه آيات الأرض كلها ولو تحولت الجبال له ذهباً؛ فالقلب المعاند يطلب المعجزات للتسلية والتعجيز لا لطلب الهداية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
الاعتماد على إعجاز القرآن البياني والتشريعي والعلمي في دعوة غير المسلمين وإلجام الشبهات.
فضح حيل المعاندين الذين يطلبون شروطاً تعجيزية للتهرب من استحقاق الإيمان والالتزام.
الأثر التربوي والإيماني:
اليقين المطلق بصدق هذا الكتاب الكريم وهيمنته، والشكر لله على نعمة هذا الوحي المعصوم الذي فيه خبر من قبلنا ونبأ من بعدنا.