تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 475)جامع البيانالطبري١٨/٤٧٥: يروي الطبري بإسناده عن قتادة وابن عباس ومجاهد في بيان حكمة تأخير العذاب عن مشركي قريش: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ}: أي ولولا قضاء سابق وحكم محكم من الله تعالى بتأخير العذاب عن هذه الأمة إلى يوم القيامة، وعدم استئصالهم بعذاب عام في الدنيا إكراماً لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، {لَكَانَ لِزَامًا}: لكان العذاب والاستئصال لازماً لهم وحالاً بهم عاجلاً في الدنيا كما حل بالقرون السابقة، {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى}: ولولا أجل مسمى مضروب لحياتهم وموتهم وحسابهم لا يتقدم ولا يتأخر لعوجلوا بالهلاك.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 357)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٥٧: يوضح ابن كثير أن في الآية تقديماً وتأخيراً في المعنى عند علماء العربية؛ والتقدير: "ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً"، فالكلمة السابقة هي مشيئة تأخير الحساب، والأجل المسمى هو الوقت المضروب للبعث أو للموت، ولولا هذان السببان لنزل بهم العذاب اللازم الفوري.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 362)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٦٢: يبين القرطبي أن اللزام هو الشيء الملازم الذي لا يفارق، كالموت والهلاك الحتمي؛ كما قال تعالى في سورة الفرقان: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا}، وكان يوم بدر من اللزام الذي أحل الله بهم.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 374)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٧٤: يحلل ابن عاشور سر هذا التأخير؛ فبين أنه من تمام رحمة الله وحكمته لإخراج ذرية مؤمنة من أصلابهم، ولإتاحة الفرصة لمن سبقت له السعادة أن يتوب ويؤمن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
لَوْلَا: حرف امتناع لوجود، تفيد امتناع الجواب لوجود الشرط.
كَلِمَةٌ: قضاء الله وقدره السابق وحكمه الأزلي.
لِزَامًا: اللزام: الملازمة والثبوت والحتمية، مصدر وُصف به أو اسم لما يلزم به الخصم.
أَجَلٌ مُّسَمًّى: الأجل: الوقت المحدد للشيء، والمسمى: المعين المكتوب عند الله.
الإعراب والتركيب:
وَلَوْلَا: الواو استئنافية، ولولا حرف امتناع لوجود شرطي غير جازم.
سَبَقَتْ: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر، والجملة في محل رفع نعت لـ كلمة.
مِن رَّبِّكَ: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت ثانٍ لـ كلمة.
لَكَانَ: اللام واقعة في جواب لولا، وكان فعل ماضٍ ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإهلاك أو العذاب.
لِزَامًا: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
وَأَجَلٌ: الواو عاطفة، وأجل معطوف على المبتدأ كلمة مرفوع وعلامة رفعه الضمة (أي: ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاماً)، وقيل: معطوف على الضمير المستتر في كان وهو ضعيف.
مُّسَمًّى: نعت لـ أجل مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: جواب عن سؤال مقدر يتبادر إلى الأذهان: إذا كانت القرون السابقة قد أهلكت بتكذيبها، فلماذا تأخر العذاب والاستئصال عن مشركي قريش وهم يكذبون بأعظم الرسل؟
التناسب البلاغي: إسناد الحكم إلى {كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} يضفي على المشهد طابع السكينة واليقين بإنفاذ المقادير الإلهية بحكمة وتوقيت محكم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة إعرابية ودلالية: ما موقع {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} ولماذا تأخرت في الترتيب اللفظي عن جواب لولا {لَكَانَ لِزَامًا}؟
دفع الشبهة وأساليب الفصاحة القرآنية:
جمهور النحاة والمفسرين (سيبويه، الفراء، الطبري، ابن كثير) قرروا أن في الآية تقديماً وتأخيراً حسناً من أساليب العرب الفصيحة؛ والتقدير: "ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً"، وقُدم جواب لولا للاهتمام ببيان حتمية العذاب لولا الأجل والكلمة.
توجيه ثانٍ بديع: أن قوله: {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} معطوف على اسم كان المؤخر؛ أي: لكان الهلاك لزاماً ولكان لهم أجل مسمى، ولكن الوجه الأول هو الأقوى والمعتمد عند المحققين.