تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 418)جامع البيانالطبري١٨/٤١٨: يروي الطبري بإسناده عن قتادة وابن عباس في قوله: {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ}: أي يتسارون ويتناجون بصوت خفي خافت من شدة الرعب والمهابة؛ لا يقدر أحد منهم أن يرفع صوته أو يجهر بكلام، ويقول بعضهم لبعض متسائلين عن مدة لبثهم في الدنيا وقبورهم: {إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا}: أي ما لبثتم في دار الدنيا إلا عشر ليالٍ أو عشرة أيام؛ لصغر الدنيا في أعينهم وقصر مدتها وسرعة زوالها حين عاينوا خلود الآخرة وأهوالها.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 338)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣٨: يوضح ابن كثير أن هول يوم القيامة ينسي العباد كل نعيم ولذة تذوقوها في الدنيا، فتتضاءل السنون والقرون الطويلة في حسهم حتى يظنوا أن الدنيا بأسرها لم تكن إلا عشرة أيام أو بضع ساعات، كما قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 309)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٠٩: يذكر القرطبي أن الخفوت هو خفض الصوت وإسراره، وإنما فعلوا ذلك لغلبة الهيبة والخوف وسقوط قواهم أمام جلال الرحمن؛ فلا يملكون إلا الهمس والتخافت.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 329)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٢٩: يحلل ابن عاشور سيكولوجية الخوف؛ حيث يفقد الإنسان القدرة على النطق الجاهر حين تحيط به الأخطار العظيمة، وتقديرهم للدنيا بعشرة أيام دلالة على ضياع المقاييس الزمنية في حسهم أمام هول الأبدية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
يَتَخَافَتُونَ: الخفت والخفوت: خفض الصوت وإسقاط الجهر به، وتفاعل تدل على المسارة المتبادلة بين الجماعة.
لَّبِثْتُمْ: اللبث: المكث والإقامة في المكان أو الزمان.
عَشْرًا: عشر ليالٍ، وحذف المعدود للعلم به وراعى التأنيث في العشر لأن الأصل الليالي.
الإعراب والتركيب:
يَتَخَافَتُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو: فاعل، والجملة في محل نصب حال ثانية من المجرمين (أو مستأنفة).
بَيْنَهُمْ: ظرف مكان منصوب متعلق بـ يتخافتون، والهاء: مضاف إليه.
إِن: نافية بمعنى ما لا عمل لها.
لَّبِثْتُمْ: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء: فاعل، والميم: للجمع، والجملة في محل نصب مقول القول لتخافتهم.
إِلَّا: أداة حصر واستثناء ملغاة.
عَشْرًا: ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة (نائب عن الظرف أي عشر ليالٍ) متعلق بـ لبثتم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: وصف دقيق لحال المجرمين النفسية في أرض المحشر؛ فبعد وصف مظهرهم الخارجي البائس {زُرْقًا}، جاء تصوير اضطرابهم الداخلي وهمسهم الخائف {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ}.
التناسب البلاغي: تصوير المشهد بالأصوات الخافتة المتسارعة ينسجم تماماً مع جو الصمت والرهبة والخشوع الذي يلف الموقف كله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا قدروا مدة الدنيا بـ {عَشْرًا} مع أنهم عاشوا فيها عقوداً طويلة ومكثوا في القبور قروناً؟
دفع الشبهة وحقيقة الشعور بالزمن:
الزمان نسبي في حس الإنسان؛ فالأزمنة الماضية مهما طالت تبدو في الذاكرة كحلم خاطف إذا انقضت، لا سيما إذا أعقبها موقف أبدي مهول كيوم القيامة.
عظم هول القيامة أذهل عقولهم ومحا إحساسهم بلذائذ الدنيا وطول أيامها، فلم يبقَ في ذاكرتهم إلا كأنها عشرة أيام أو أقل.
صياغة التفاعل في {يَتَخَافَتُونَ} لتصوير تبادل الهمس المرتجف بين جموع المجرمين في الموقف.
الحصر بـ {إِن... إِلَّا} لبيان يقينهم المطلق في تلك اللحظة بقصر مدة الدنيا وتفاهة زمنها.
التدبر الإشاري: الدنيا كلها من أولها إلى آخرها لا تزن عند الله ولا في ميزان الحقيقة إلا عشراً أو بعض يوم؛ فما أخسر من يبيع الجنة الباقية بعشرة أيام فانية!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تزهيد الناس في متاع الدنيا الفاني وتذكيرهم بقصر أعمارهم وسرعة انقضائها.
استثمار ساعات العمر القصيرة في طاعة الله والتزود للقاء الأبدي.
الأثر التربوي والإيماني:
رسوخ حقيقة قصر الحياة الدنيا في وجدان المؤمن؛ فلا يأسى على ما فاته منها ولا يفرح بما أوتيه، ويجعل همه الاستعداد للدار الباقية.