تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 458)جامع البيانالطبري١٨/٤٥٨: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير في كرامة آدم وتدارك الله له: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ}: أي اصطفاه واختاره وقربه وخلصه لطاعته ونبوته، {فَتَابَ عَلَيْهِ}: رزقه التوبة وقبلها منه حين تلقى كلمات ربه فدعا بها: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، {وَهَدَىٰ}: وهداه إلى صراط مستقيم وثبته على الهدى حتى لقي ربه نبياً مكرماً.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 352)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٥٢: يوضح ابن كثير أن (ثم) تفيد التراخي الرتبي لعلو منزلة التوبة والاجتباء؛ فكان حال آدم بعد التوبة أعلى وأشرف من حاله قبل الذنب؛ لأن العبودية لله بالتوبة والانكسار والتذلل من أعظم مقامات الصديقين، فاصطفاه الله وجعله نبياً مهدياً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 348)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٤٨: يبين القرطبي أن الاجتباء هو الاختيار من بين سائر الخلق؛ مأخوذ من جبيت الشيء إذا جمعته واصطفيته لنفسك، وتوبة الله على العبد سابقة لتوبة العبد؛ فالله ألهمه التوبة ووفقه لها ثم تقبلها منه وأثابه عليها.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 362)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٦٢: يحلل ابن عاشور الإيجاز في قوله {وَهَدَىٰ}؛ حيث حذف متعلق الهداية ليعم كل هدى: هداه إلى الشريعة، وهداه إلى النبوة، وهداه إلى التوبة، وهداه إلى سياسة ذريته في الأرض.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
وَهَدَىٰ: الواو عاطفة، وفعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر، والفاعل مستتر تقديره هو، ومفعوله محذوف تقديره (وهداه).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: أعظم انفراج في القصة؛ بعد تصوير العصيان والخيبة، عطف بـ ثم التراخية الرتبية لبيان أن سحابة الذنب انقشعت بالانكسار والتوبة، ليعقبها الاجتباء والاصطفاء والهداية.
التناسب البلاغي: تقديم المفعول به في {اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} لإبراز العناية الإلهية بشخص آدم واللطف به، وإضافة الرب إلى ضميره {رَبُّهُ} تشريفاً وتطميناً له بعد وحشة الذنب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عقائدية: كيف يجتمع الاجتباء والاصطفاء مع العصيان السابق في حق آدم؟
دفع الشبهة وبيان مذهب أهل السنة:
التوبة النصوح تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ وآدم عليه السلام لم يصر على الذنب لحظة واحدة بل بادر بالاعتراف والتضرع والبكاء والاستغفار.
عبودية التوبة والانكسار فيها من الخضوع والذل بين يدي الله ما يرفع العبد درجات عظمى؛ ولذلك قال بعض السلف: "كان آدم بعد التوبة خيراً منه قبل الأكل من الشجرة".
الاجتباء الإلهي جاء بفضل الله وكرمه؛ فالله هو الذي وفقه للتوبة وهداه إليها وقبلها منه، فصار نبياً خليفة في الأرض.
العطف بـ {ثُمَّ} لإفادة التراخي والارتقاء العظيم في الرتبة والمكانة.
إطلاق فعل {وَهَدَىٰ} بحذف المفعول لبيان كمال الهداية واستيعابها لكل سبل الخير والنجاة.
التدبر الإشاري: الذنب لا يقطع العبد عن ربه إذا أعقبه انكسار وتوبة؛ فرُبَّ معصية أورثت ذلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً؛ فالأصل هو الرجوع إلى الله بالاعتراف والندم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):