تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 402)جامع البيانالطبري١٨/٤٠٢: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة في اعتراف السامري: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ}: أي علمت ورأيت ما لم يعلمه بنو إسرائيل ولم يروه؛ رأيت جبريل عليه السلام راكباً فرس الحياة يوم غرق فرعون في البحر، ورأيت أن موضع حافر فرسه تهتز به الأرض وتدب فيه الحياة، {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ}: فأخذت ملء كفي من تراب موطئ حافر فرس جبريل، {فَنَبَذْتُهَا}: فألقيت تلك القبضة مع الحلي في النار المصهورة فخرج ذلك العجل خائراً، {وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}: وهكذا زينت وحسنت لي نفسي الأمارة بالسوء هذا الصنيع الشيطاني.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 333)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣٣: يوضح ابن كثير أن السامري اعترف بكبره وغروره؛ حيث زعم لنفسه خصوصية وبصيرة تفوق سائر الأمة، فاستغل تلك المعرفة الجزئية ليوظفها في صناعة الفتنة والشرك بدلاً من تسخيرها في طاعة الله، وختم اعترافه بكشف الدافع الحقيقي وهو اتباع هوى النفس الأمارة: {وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 294)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٩٤: يذكر القرطبي القراءات في {بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ}: قرأ الجمهور بالياء: {لَمْ يَبْصُرُوا} على الغيبة، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء: {بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ} خطاباً لموسى وبني إسرائيل. وفي {قَبَضْتُ قَبْضَةً}: قرأ الحسن وأبو نهيك: {فَقَبَصْتُ قَبْصَةً} بالصاد المهملة، والقبض بالأصابع كلها أو الكف التام، والقبص بأطراف الأصابع.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 317)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣١٧: يحلل ابن عاشور اعتراف السامري؛ فبين أنه جمع بين الغرور المعرفي {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} وبين الانقياد الأعمى لشهوة النفس {سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}، وهذا دأب كل المبتدعين الذين يتبعون المتشابهات ويزعمون امتلاك أسرار خفية ليضلوا بها العامة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
بَصُرْتُ: البصر هنا بالضم أو الكسر: العلم والفطنة والرؤية الدقيقة، يقال: بَصُرَ بالشيء إذا صار خبيراً به.
قَبَضْتُ: القبض: الأخذ بالكف التام.
أَثَرِ: موطئ القدم أو علامة السير.
الرَّسُولِ: جبريل عليه السلام لكونه رسول الله من الملائكة، أو موسى.
فَنَبَذْتُهَا: النبذ: الطرح والإلقاء للشيء من اليد باستهانة.
سَوَّلَتْ: التسويل: تزيين القبيح وتحسينه في النفس وتسهيل ارتكابه.
قَبْضَةً: مفعول به منصوب (أو مفعول مطلق مبين للنوع والمرة).
مِّنْ أَثَرِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ قبضة.
الرَّسُولِ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
فَنَبَذْتُهَا: الفاء عاطفة، وفعل وفاعل ومفعول به.
وَكَذَٰلِكَ: الواو استئنافية، والكاف حرف جر وتشبيه، وذا: اسم إشارة مجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق لـ سوّلت.
سَوَّلَتْ: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
لِي: جار ومجرور متعلق بـ سوّلت.
نَفْسِي: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: اعتراف الجاني الصريح بتفاصيل مكره؛ كشفاً لحقيقة العجل وأنه لم يكن إلا حيلة مصنوعة من الذهب وتراب حافر الفرس وتزيين شيطاني.
التناسب البلاغي: تصدير الجواب بدعوى الاستعلاء والتميز {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} لإظهار داء العجب والكبر الذي كان المحرك الأصلي لفتنته، ثم ختمه بالاعتراف بالخضوع لوسوسة النفس: {سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: من هو (الرسول) في قوله {مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ}؟ وهل هو جبريل أم موسى؟
دفع الشبهة والتحقيق التفسيري:
قول جماهير السلف والمفسرين (ابن عباس، مجاهد، قتادة، الطبري، ابن كثير): أن المراد بالرسول هنا هو جبريل عليه السلام حين رآه السامري يوم فلق البحر فأخذ من تراب موطئ فرسه لمعرفته ببركة أثره.
وذهب بعض المفسرين المحققين كأبي مسلم الأصفهاني وتبعه بعض المعاصرين إلى أن المراد بالرسول هو موسى عليه السلام، والمراد بالأثر شريعته وسنته، أي: أخذت شيئاً من دينك وشريعتك ونبذت باقيه فصنعت هذا العجل، ولكن التفسير المأثور عن الصحابة هو الأولى بالاعتماد لانسجامه مع لفظ (القبضة) و(النبذ) الحسيين.
الجناس البديع والاشتقاقي بين {بَصُرْتُ} و{يَبْصُرُوا}.
التعبير بـ {سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}: اعتراف ضمني بهزيمة العقل أمام تزيين النفس والهوى؛ فالنفس الأمارة هي مكمن الداء وأصل كل بدعة وضلالة.
التدبر الإشاري: العلم بغير ورع ولا إيمان أداة دمار؛ فالسامري أوتي علماً ببصر أثر الرسول، لكنه لما تجرد من تقوى الله وظف هذا العلم في صناعة صنم يُعبد من دون الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
فضح دعاوى الخصوصية والباطنية التي يدعيها أصحاب البدع والضلالات لتمييز أنفسهم عن جماعة المسلمين.
التحذير من تسويل النفس الأمارة بالسوء التي تزين المنكرات وتلبسها لباس الحكمة والتميز.
الأثر التربوي والإيماني:
التواضع لله ونبذ العجب بالرأي والمعرفة؛ فالعلم الحقيقي هو ما أورث خشية الله والاعتصام بسنة رسوله.