تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 477)جامع البيانالطبري١٨/٤٧٧: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة والحسن ومجاهد في توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزاد الروحي العظيم لمواجهة أذى المشركين: {فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ}: أي اصبر يا محمد على تكذيبهم وافترائهم وطعنهم فيك وفي القرآن، ولا يضق صدرك بما تسمع، {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ}: وهي صلاة الصبح (الفجر)، {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}: وهي صلاة العصر، {وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ}: أي ومن ساعات الليل وأوقاته فصلِّ وسبح، وهي صلاة المغرب والعشاء وقيام الليل والتهجد، {وَأَطْرَافَ النَّهَارِ}: وهي صلاة الظهر (لأنها في وسط النهار عند زوال الشمس وهو طرف نصفه الأول، وقيل: صلاة التطوع)، {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ}: لكي تنال الثواب العظيم والكرامة والشفاعة عند ربك فترضى بما يعطيك من النصر في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة.
الحديث النبوي الصحيح في رؤية الله والصلاة: أخرج الشيخان (البخاري برقم 554، ومسلم برقم 633) من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَٰذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَىٰ صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا"، ثُمَّ قَرَأَ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 358)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٥٨: يوضح ابن كثير أن هذه الآية الكريمة جمعت مواقيت الصلوات الخمس المفروضة وساعات التقرب بالذكر والتسبيح، وأن التسبيح والصلاة هما أعظم دواء لضيق الصدر من أذى المكذبين، كما قال تعالى في سورة الحجر: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 364)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٦٤: يذكر القرطبي القراءات في {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ}: قرأ الجمهور بفتح التاء: {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} أي ترضى أنت بما يفيضه الله عليك من الثواب والكرامة، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم بضم التاء: {لَعَلَّكَ تُرْضَىٰ} مبنياً للمجهول، أي يرضيك الله بما يعطيك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
فَاصْبِرْ: الصبر: حبس النفس عن الجزع واللسان عن الشكوى والجوارح عن المعصية.
سَبِّحْ: التسبيح: التنزيه والتقديس لله عن كل نقص، ويطلق على الصلاة والذكر.
آنَاءِ: جمع إِنًى أو إِنْيٍ أو أَنْيٍ، وهي ساعات الليل وساعاته وأوقاته.
أَطْرَافَ: جمع طرف، وهو نهاية الشيء وناحيته.
تَرْضَىٰ: الرضا: سرور القلب بالقضاء واستطابة العطاء.
الإعراب والتركيب:
فَاصْبِرْ: الفاء فصيحة، واصبر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
عَلَىٰ مَا: جار ومجرور متعلق بـ اصبر.
يَقُولُونَ: فعل مضارع والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
وَسَبِّحْ: الواو عاطفة، وفعل أمر وفاعله مستتر.
بِحَمْدِ: الباء للملابسة والمصاحبة، وجار ومجرور متعلق بمحذوف حال (أي متلبساً بحمده)، وحمد مضاف.
رَبِّكَ: مضاف إليه، والكاف مضاف إليه.
قَبْلَ: ظرف زمان منصوب متعلق بـ سبح.
طُلُوعِ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
الشَّمْسِ: مضاف إليه ثانٍ.
وَقَبْلَ: معطوف على قبل الأولى منصوب.
غُرُوبِهَا: مضاف إليه، والهاء مضاف إليه.
وَمِنْ آنَاءِ: الواو عاطفة، وجار ومجرور متعلق بـ سبح المؤخرة.
اللَّيْلِ: مضاف إليه مجرور.
فَسَبِّحْ: الفاء زائدة لتزيين اللفظ أو رابطة لما في الظرف من رائحة الشرط، وفعل أمر وفاعله مستتر.
وَأَطْرَافَ: معطوف على الظروف السابقة منصوب بالفتحة (أو مفعول به لفعل محذوف تقديره وراعِ أطراف النهار).
النَّهَارِ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
لَعَلَّكَ: حرف ترجٍ ونصب، والكاف اسمها.
تَرْضَىٰ: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره أنت، والجملة في محل رفع خبر لعلّ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد بيان عاقبة المكذبين وأسباب تأخير العذاب عنهم، توجه الأمر الإلهي الحكيم للنبي صلى الله عليه وسلم بالثبات النفسي والتحصين بالصبر والعبادة؛ بياناً للمنهج العملي في مواجهة صخب الباطل.
التناسب البلاغي: إحاطة التسبيح بجميع أوقات اليوم والليلة؛ قبل الطلوع والغروب، وساعات الليل، وأطراف النهار؛ ليكون قلب الداعية موصولاً بالله دائماً فلا تؤثر فيه طعنات المبطلين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا خُص التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها بالذكر والاهتمام؟
دفع الشبهة وفضل صلاتي الصبح والعصر:
صلاة الفجر (قبل طلوع الشمس) وصلاة العصر (قبل غروبها) هما أثقل الصلوات على المنافقين، وفيهما تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار كما ثبت في الحديث الصحيح: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ".
وقتهما وقت تحول كوني مهيب بين النور والظلمة، فتسبيح الله وعبادته في هذين الوقتين يشهد على يقظة القلب وصدق العبودية، وهما سببان مباشران للفوز برؤية وجه الله الكريم في الجنة كما في حديث جرير بن عبد الله.
اقتران التسبيح بالحمد {بِحَمْدِ رَبِّكَ} للجمع بين التنزيه عن النقائص (التسبيح) وإثبات صفات الكمال والشكر على النعم (التحميد).
الغاية العظمى: {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ}؛ وهي أعظم بشارة ترتاح بها نفس النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى في سورة الضحى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ}.
التدبر الإشاري: الصلاة والتسبيح هما زاد الروح وواحة النفس عند اشتداد الخطوب؛ فإذا أرهقك كلام الناس وتكذيب المبطلين، فاهرب إلى محراب الصلاة والتسبيح تجد السكينة والرضا التام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
وصية الدعاة بالصبر الجميل على أذى الناس وشبهاتهم، وعدم الانشغال بالردود العقيمة على حساب بناء النفس الروحي.
المحافظة الصارمة على مواقيت الصلوات الخمس وأذكار الصباح والمساء وقيام الليل.
الأثر التربوي والإيماني:
تذوق حلاوة الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، والامتلاء بالطمأنينة الإيمانية التي لا تهزها عواصف التكذيب والأذى.