تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 483)جامع البيانالطبري١٨/٤٨٣: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وزيد بن أسلم وقتادة ومالك بن أنس في توجيه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ}: أي مر أهلك وعشيرتك وأمتك بإقام الصلاة والمحافظة عليها، {وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}: أي واصبر صبراً عظيماً مشدداً على أدائها وإقامتها بحدودها وأركانها وخشوعها، ودعوة أهلك إليها؛ فإنها عماد الدين، {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا}: لا نكلفك أن ترزق نفسك ولا أن ترزق أهلك ولا أحداً من خلقنا، بل فرغ همك لعبادتنا وطاعتنا، {نَّحْنُ نَرْزُقُكَ}: نحن المتكفلون برزقك ورزقهم وكفايتكم من حيث لا تحتسبون، {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}: والعاقبة الحميدة في الدنيا بالنصر والتمكين، وفي الآخرة بجنات النعيم إنما هي لأهل التقوى المتقين لله.
الآثار النبوية ومسلك السلف في الآية: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب أهله خصاصة أو ضيق نادى: "الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ"، وقرأ هذه الآية. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقوم من الليل يصلي ما شاء الله، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة وقال لهم: "الصلاةَ، الصلاةَ"، ويتلو هذه الآية: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}. وكان الإمام مالك بن أنس رحمه الله إذا نزل به ضيق تلاها واستقبل الصلاة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 360)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٦٠: يوضح ابن كثير أن العبد إذا أقام الصلاة أتاه الرزق من حيث لا يحتسب؛ فالصلاة مجلبة للرزق، دافعة للهم، حافظة للنعم، دافعة للنقم، مصحة للبدن، شارحة للصدر؛ فمن أقبل على عبادة ربه تكفل الله له بمعاشه ودنياه.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 370)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٧٠: يبين القرطبي زيادة مبنى {وَاصْطَبِرْ} بالطاء الدالة على شدة الصبر ومداومته؛ لأن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وتتطلب مجاهدة للنفس وقهراً للكسل واستمراراً مدى الحياة.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 380)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٨٠: يشير ابن عاشور إلى بديع الحصر في {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}؛ فاللام للاختصاص؛ أي حسن المآل والظفر والخلود في النعيم مقصور على أصحاب التقوى والعمل الصالح.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أَهْلَكَ: أهل الرجل: أزواجه وبناته وقرابته، وأمته تبعاً له.
اصْطَبِرْ: افتعل من الصبر، أبدلت تاؤه طاءً لمجاورتها الصاد المفخمة، وتدل الصيغة على المبالغة في الصبر ومكابدة المشاق.
الْعَاقِبَةُ: المآل والخاتمة الحميدة وما يعقب الأمر من فوز وظفر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد النهي عن مد العينين إلى زهرة الدنيا الفانية، وجه إلى الاشتغال بالباقيات الصالحات؛ الصلاة، وحراسة الدين في الأسرة والبيت، والتوكل على الرزاق الحي القيوم.
التناسب البلاغي: الارتقاء من الصبر العادي إلى الاصطبار بصيغة الافتعال {وَاصْطَبِرْ}؛ لبيان أن إقامة الصلاة وحث الأهل عليها مشروع حياة دائم يحتاج إلى عزم حديدي لا يعرف الفتور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل قوله: {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} دعوة لترك السعي والتكسب والقعود عن العمل؟
المعنى هنا: لا تجعل هم الرزق والكد الدنيوي شاغلاً لك عن إقامة الصلاة وأداء حقوق الله؛ فالرزق مضمون متكفل به من الله، فاشتغل بما كُلفت به (العبادة) ولا تشغل قلبك بما ضُمِن لك (الرزق).
صياغة الافتعال في {وَاصْطَبِرْ} للدلالة على بذل الجهد البالغ في المداومة.
التوكيد بضمير الفصل والمبتدأ في {نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} لقصر الرازقية على الله وحده ودفع القلق والهم من القلب.
الإيجاز بالحذف في {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}؛ أي لأهل التقوى، لبيان أن العبرة بالتقوى ذاتها كأنها تجسدت شخصاً ينال حسن الخاتمة.
التدبر الإشاري: البيت الذي تقام فيه الصلاة ويأمر أهله بها تنزل عليه السكينة والبركة وتفتح له أبواب الأرزاق؛ فالصلاة حبل ممدود بين العبد وربه يجلب كل خير ويدفع كل شر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
العناية الفائقة بتربية الأسرة والأولاد على المحافظة على الصلاة منذ الصغر؛ فالإصلاح يبدأ من البيت المسلم.
توجيه الناس إلى أن الصلاة هي الملاذ عند الأزمات وضيق المعيشة؛ فالفزع إلى الصلاة سنة نبوية راشدة.
الأثر التربوي والإيماني:
راحة القلب واليقين بكفالة الله لرزق العبد؛ فيفرغ قلبه لمناجاة ربه وعبادته، ويعلم أن العاقبة الحميدة والفوز الأبدي للمتقين.