تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 330)جامع البيانالطبري١٨/٣٣٠: يروي الطبري بإسناده أن السحرة أو ملأ فرعون بعد تنازعهم، استقر رأيهم على تحريض الناس وإثارة مخاوفهم، فقالوا: إن هذين (موسى وهارون) ما هما إلا ساحران متآمران غرضهما سلب سلطانكم وإخراجكم من دياركم، والقضاء على مذهبكم وطريقتكم التي تفضل سائر الطرائق.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 306)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٠٦: يشير ابن كثير إلى أن فرعون وأعوانه لجؤوا إلى الورقة السياسية والقومية حين عجزوا عن الحجة العقدية، فخوفوا العامة من ضياع الوطن وتغيير المنظومة الاجتماعية والسياسية السائدة: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 222)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٢٢: استوفى القرطبي توجيه القراءات المشهورة في {إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ}؛ فقرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بتخفيف (إنْ) ورفع (هذان) بالألف، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية بتشديد (إنّ) ورفع (هذان)، ووجهها أئمة النحو واللغة كأبي عبيدة والمبرد بأنها على لغة بلحرث بن كعب وكنانة وخثعم الذين يجعلون المثنى بالألف في جميع أحواله (الرفع والنصب والجر)، أو أن (إنْ) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 509)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٥٠٩: يوضح السعدي أن أهل الباطل يشوهون دعوة الحق بادعاء أنها ثورة سياسية ومؤامرة تخريبية تستهدف الأرض والمكتسبات، لكي ينفروا الناس عنها ويحشدوهم للدفاع عن الباطل بدافع حمية الجاهلية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
هَٰذَانِ: اسم إشارة للمثنى، والمشار إليهما موسى وهارون عليهما السلام.
سَاحِرَانِ: تثنية ساحر، وصفوهما بأخص ما يعظمونه في قومهم ليجعلوا المعركة منافسة صنائع وفنون لا رسالة ربانية.
يُخْرِجَاكُم: الإخراج: النفي والإبعاد عن الوطن، وهو أشد ما تخافه النفوس.
طَرِيقَتِكُمُ: الطريقة: المذهب والملة والعادة والنظام، أو وجوه القوم وأشرافهم.
الْمُثْلَىٰ: مؤنث الأمثل، أي الفضلى والأشرف والأعدل في زعمهم.
الإعراب والتركيب:
قَالُوا: فعل ماضٍ مبني على الضم، والواو: فاعل.
إِنْ: حرف توكيد ونصب أُلغي عمله للتخفيف، أو نافية بمعنى ما، واللام في لساحران فارقة.
هَٰذَانِ: اسم إشارة مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الألف، أو اسم إنّ على لغة من يلزم المثنى الألف.
لَسَاحِرَانِ: اللام هي اللام الفارقة (أو المزحلقة)، وساحران: خبر مرفوع وعلامة رفعه الألف.
يُرِيدَانِ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والألف: فاعل، والجملة في محل رفع نعت لـ ساحران.
أَن يُخْرِجَاكُم: أن حرف مصدري ونصب، ويخرجا: فعل مضارع منصوب بحذف النون، والكاف: مفعول به، والمصدر المؤول مفعول به لـ يريدان.
مِّنْ أَرْضِكُم: جار ومجرور متعلق بـ يخرجاكم.
بِسِحْرِهِمَا: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، أو متعلق بـ يخرجاكم.
وَيَذْهَبَا: الواو عاطفة، ويذهبا فعل مضارع منصوب معطوف على يخرجا.
بِطَرِيقَتِكُمُ: الباء للتعدية، وجار ومجرور مفعول به لـ يذهبا.
الْمُثْلَىٰ: نعت لـ طريقتكم مجرور بكسرة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: لما وقع التنازع وأحس المفسدون بخطر انهيار صفهم، عمدوا إلى السلاح الدعائي التقليدي للمستكبرين، وهو التخويف من فقدان الوطن والسلطان والتقاليد الموروثة.
النظم البياني: قدموا ذكر الإخراج من الأرض: {أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم} لأن حب الوطن والاستقرار غريزة عامة تثير كافة أطياف الشعب، ثم ثنّوا بـ {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ} لدغدغة كبرياء الملأ والأشراف وحملة المصالح الدينية والسياسية السائدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إعرابية: ما توجيه قراءة {إِنَّ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} بتشديد إن مع رفع هذان بالألف في المصحف الإمام؟
دفع الشبهة وحسم المسألة:
لغة بعض قبائل العرب الموثوق بعربيتهم كبني الحارث بن كعب، وخثعم، وكنانة، يلزمون المثنى الألف في الرفع والنصب والجر، فيقولون: "رأيت هذان، ومررت بهذان"، والقرآن نزل بأفصح لغات العرب وتتسع أساليبه لمختلف لهجاتها الفصيحة.
توجيه ثانٍ عند المحققين: أن (إنْ) هنا حرف جواب بمعنى (نعم)، كما في قول ابن الزبير: "إنّ ورأبَ الصدعِ ثِقافُه"، وتكون (هذان) مبتدأ، و(لساحران) خبر، ولا إشكال نحوي ألبتة.
التواتر القاطع: القراءات متواترة تواتراً لا يحتمل أدنى شك، وقواعد النحو إنما استنبطت من كلام العرب والقرآن أصلها وإمامها، فلا يقاس القرآن على قواعد المتأخرين، بل تقاس القواعد عليه.
الحصر والتوكيد بـ (إنْ) واللام المزحلقة في {لَسَاحِرَانِ} لإزالة الشك وترسيخ التهمة في أذهان الحاضرين.
إطلاق {الْمُثْلَىٰ} على باطلهم من باب التزيين الدعائي وغسيل الأدمغة الجمعي؛ ليوهموا الجماهير أن نمط حياتهم الوثني المستعبد هو النموذج الأمثل الذي لا ينبغي التنازل عنه.
التدبر الإشاري: المستبدون على مر العصور لا يواجهون الفكرة بالفكرة، بل يختبئون وراء شعارات الدفاع عن الهوية والأرض، ويتهمون المصلحين بالعمالة وتخريب النسيج المجتمعي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
الحذر من الوقوع في فخ التوظيف السياسي الزائف الذي يمارسه المبطلون حين يشوهون دعوات الإصلاح.
ثبات الداعية حين يُتهم بتهديد الأمن القومي أو تدمير مكتسبات الأمة، فهذه تهمة قديمة واجهها موسى وهارون.
الأثر التربوي والإيماني:
الوعي بعدم الانخداع بالمصطلحات البراقة؛ فالباطل قد يُسمى (طريقة مثلى)، والفساد قد يُسمى (تطويراً وحفاظاً على الهوية)، والفيصل هو ميزان الوحي والعدل.