تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 390)جامع البيانالطبري١٨/٣٩٠: يروي الطبري عن قتادة وابن عباس في رد القرآن الحاسم على عابدي العجل: {أَفَلَا يَرَوْنَ}: أفلا ينظر هؤلاء السفهاء بأعينهم وعقولهم فيتدبروا، {أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا}: ألا يرد عليهم العجل جواباً إذا خاطبوه وسألوه؟ فكيف يكون رباً وإلهاً وهو عاجز عن الكلام والرد والإبانة؟ {وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا}: ولا يستطيع أن يدفع عنهم ضراً إن عصوه، ولا يجلب لهم نفعاً إن عبدوه؛ فكيف يستحق العبادة من انتفت عنه صفات الكمال والقدرة؟
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 329)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٢٩: يوضح ابن كثير أن هذا برهان عقلي قاطع يسفه عقولهم؛ فالإله الحق يجب أن يكون سميعاً بصيراً متكلماً قادراً على النفع والضر، وهذا العجل جماد مصنوع خائر الصوت بغير إرادة، فعبادته غاية في الضلال والانتكاس الفكري.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 280)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٨٠: يستدل القرطبي وغيره من علماء أهل السنة بهذه الآية على أن الله تعالى متكلم بكلام يليق بجلاله؛ لأن القرآن جعل عجز العجل عن الكلام ونفي رجوع القول دليلاً قاطعاً على بطلان ألوهيته، فلو كان الإله الحق لا يتكلم لكان العجل مساوياً له في هذا النقص، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
تفسير الرازي (مفاتيح الغيب، ج 22، ص 98)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٢٢/٩٨: يبين الرازي قوة هذا الاستدلال؛ حيث قرن بين نفي الكمال العلمي البياني (عدم رجوع القول) ونفي الكمال القدرتي الفعلي (عدم ملك الضر والنفع)، وبانتفاء هذين الأصلين تسقط كل شبهة للألوهية عقلاً وحساً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أَفَلَا يَرَوْنَ: الرؤية هنا بصرية وعقلية معاً، أي أعميت أبصارهم وبصائرهم حتى عجزوا عن إدراك البديهيات؟
لَّا يَرْجِعُ: رجع القول: رد الجواب وأفاد المخاطب، يقال: كلمته فما رجع إليّ قولاً.
يَرْجِعُ: فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على العجل.
إِلَيْهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ يرجع.
قَوْلًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والمصدر المؤول من أن وما بعدها سد مسد مفعولي يرون.
وَلَا: الواو عاطفة، ولا: نافية.
يَمْلِكُ: فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر.
لَهُمْ: جار ومجرور متعلق بـ يملك.
ضَرًّا: مفعول به منصوب.
وَلَا: الواو عاطفة، ولا: زائدة لتوكيد النفي.
نَفْعًا: معطوف على ضراً منصوب مثله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد حكاية مقولتهم الشركية {هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ}، عقب القرآن فوراً بهذا الاستنكار العقلي الصاعق، محاكماً صنيعهم إلى أبسط مبادئ المنطق البشري الفطري.
التناسب البلاغي: تقديم نفي رجوع القول {أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا} على نفي النفع والضر؛ لأن الكلام والتواصل هو أظهر علامات الإدراك وأدناها، فإذا عجز عن التجاوب الصوتي الحواري معهم، كان عجزه عن التصرف في الكون بملك الضر والنفع من باب أولى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كلامية: كيف استدل القرآن بعجز العجل عن الكلام على نفي ألوهيته؟
دفع الشبهة وإلزام الخصوم:
القرآن يستدل بالفطرة والعقل السليم؛ فالإله المعبود هو مدبر الكون الذي يوجه عباده ويأمرهم وينهاهم ويكلم رسله بالوحي؛ فكيف يُتخذ الصامت الأبكم رباً؟!
قال إبراهيم عليه السلام لقومه: {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ}، وقال هنا: {أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا}، وهو برهان متطابق عبر العصور على أن صفة الكلام من لوازم الكمال الإلهي، ونفيها نقص تنزه الله عنه.
التعبير بـ {يَرْجِعُ} الدال على انعدام الحوار والتجاوب؛ فالمعبود الحق هو الذي إذا ناداه عبده أجابه وسمع دعاءه.
تقديم الضر على النفع في سياق دفع الأذى؛ لأن الخائف يطلب دفع الضر أولاً قبل جلب النفع.
التدبر الإشاري: كل ما يُعبد من دون الله من أصنام حجرية أو زعامات بشرية أو نظم مادية هي في ميزان الحقيقة عجول لا تملك ضراً ولا نفعاً؛ فتوحيد الله هو التحرر المطلق للعقل البشري.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
بناء العقيدة على البراهين العقلية والحوار المنطقي الفطري لدحض الخرافات والوثنيات.
تعرية عجز الآلهة الباطلة ومصنوعات البشر أمام عظمة الخالق المدبر.
الأثر التربوي والإيماني:
التعلق التام بالله وحده في طلب النفع ودفع الضر؛ فإنه سبحانه هو الضار النافع المعطي المانع الذي بيده ملكوت كل شيء.