تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 447)جامع البيانالطبري١٨/٤٤٧: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن الله تبارك وتعالى بعد امتناع إبليس واستكباره، حذر آدم وزوجه حواء تحذيراً صريحاً قاطعاً من كيده ومكره: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ}: أي إن إبليس عدو مبين لك ولزوجك حواء، يحسدكما على ما أنتم فيه من النعيم والكرامة، {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ}: فلا تطيعاه في وسوسته فيتسبب في إخراجكما من دار النعيم والخلود، {فَتَشْقَىٰ}: فتتعب وتنصب في طلب المعيشة في الأرض بالحرث والزرع والكد وكسب الرزق.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 348)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٨: يوضح ابن كثير دقة الإعجاز القرآني في قوله: {فَتَشْقَىٰ} بالإفراد دون التثنية (فتشقيا)؛ لأن الرجل هو المكلف بالسعي والكد والإنفاق على زوجه وأهله، فجعل الشقاء في طلب الرزق عائداً على آدم أصالة، وتكون الزوجة مكفية ومصونة بنفقته ورعايته.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 337)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٣٧: يذكر القرطبي أن الشقاء هنا هو شقاء الكد والتعب الدنيوي في تحصيل القوت؛ بالحرث والحصاد والطحن والخبز، بعد أن كان في الجنة في رغد ونعيم بغير كد ولا نصب، واستدل به الفقهاء على أن نفقة الزوجة وكسوتها واجبة على الزوج.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 352)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٥٢: يشير ابن عاشور إلى أن النهي في {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا} متوجه في الظاهر إلى إبليس، وفي الحقيقة متوجه إلى آدم وحواء عن اتباعه؛ أي لا تمكناه من أنفسكما فيكون سبباً لإخراجكما.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
عَدُوٌّ: فعول بمعنى مَفْعول أو فاعل، من العدوان وهو تجاوز الحد والظلم والمحاربة.
زَوْجِكَ: حواء عليها السلام، ويقال للمرأة زوج وهو الأفصح في القرآن، ويقال زوجة.
يَا آدَمُ: يا حرف نداء، وآدم: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب.
إِنَّ: حرف توكيد ونصب.
هَٰذَا: اسم إشارة مبني في محل نصب اسم إنّ.
عَدُوٌّ: خبر إنّ مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
لَّكَ: جار ومجرور متعلق بـ عدو.
وَلِزَوْجِكَ: معطوف على لك، والكاف مضاف إليه.
فَلَا: الفاء فصيحة مسببة، ولا: ناهية جازمة.
يُخْرِجَنَّكُمَا: فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على هذا (إبليس)، والكاف مفعول به، والميم والألف للتثنية.
مِنَ الْجَنَّةِ: جار ومجرور متعلق بـ يخرجنكما.
فَتَشْقَىٰ: الفاء سببية واقعة في جواب النهي، وتشقى فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره أنت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: وضع العهد الإلهي المباشر موضع الحذر العملي؛ فبعد أن أظهر إبليس كبره، جاء هذا التحذير الرباني المشفق لآدم وزوجه لكشف أبعاد الصراع وتحديد العواقب المترتبة على الغفلة.
التناسب البلاغي: البدء بتأكيد العداوة {إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ}، ثم البناء عليها بالنهي الصارم المؤكد بنون التوكيد، ثم التعليل بنتيجة الشقاء الأرضي الفردي للرجل {فَتَشْقَىٰ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة بلاغية وفقهية: لماذا قال: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا} بالتثنية، ثم قال: {فَتَشْقَىٰ} بالإفراد دون (فتشقيا)؟
دفع الشبهة وإعجاز التشريع القرآني:
الخروج من الجنة عقوبة ونتيجة تشملهما معاً؛ لأن كليهما أكل من الشجرة وخرجا معاً إلى الأرض، فثنى الضمير في الخروج {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا}.
أما الشقاء وهو التعب والكد والحرث في طلب الرزق والمعاش الدنيوي فهو من وظيفة الرجل وواجبه الشرعي الفطري؛ فالرجل هو الكادح والمنفق على أهله، والمرأة مكفية مصونة برعايته، فأفرد الشقاء لآدم {فَتَشْقَىٰ}، وهذا أصل عظيم من أصول الفقه الإسلامي في توزيع المسؤوليات الأسرية.