تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 385)جامع البيانالطبري١٨/٣٨٥: يروي الطبري عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة في اعتذار بني إسرائيل لموسى: {قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا}: أي بقدرتنا وطاقتنا واختيارنا المحض، ولم نكن لنقصد عصيانك ولا مخالفة عهدك بأنفسنا، {وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ}: أي حُملنا أثقالاً وأحمالاً من حلي آل فرعون وذهبهم التي كنا استعرناها منهم ليلة الخروج بمصر، فتحرجنا من إمساكها ورأينا أنها غنائم لا تحل لنا، {فَقَذَفْنَاهَا}: فألقيناها في حفرة أوقد فيها السامري النار ليصهرها ونتخلص منها، {فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ}: أي كما ألقينا حلينا ألقى السامري ما كان معه من الحلي والقبضة التي أخذها من أثر فرس جبريل.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 327)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٢٧: يوضح ابن كثير الورع البارد الكاذب الذي وقع فيه هؤلاء؛ حيث تحرجوا من حلي القبط وتأثموا من أكل ذهب قوم كفار حاربوا الله ورسوله، وسموها (أوزاراً) أي آثاماً وأثقالاً، ثم وقعوا في أشنع الكبائر وأعظم الموبقات وهو الشرك بالله وعبادة العجل المصنوع من ذلك الذهب!
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 275)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٧٥: يذكر القرطبي القراءات في {بِمَلْكِنَا}: قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو: {بِمَلْكِنَا} بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي: {بِمِلْكِنَا} بكسر الميم، وقرأ ابن كثير وابن عامر: {بِمُلْكِنَا} بضم الميم، وهي لغات فصيحة ومعناها: بطاقتنا وسلطاننا وأمرنا. وفي {حُمِّلْنَا}: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم: {حُمِّلْنَا} بضم الحاء وتشديد الميم مبنياً للمجهول، وقرأ حمزة والكسائي: {حَمَلْنَا} بفتح الحاء والميم خفيفاً.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 298)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٩٨: يبين ابن عاشور أنهم ألقوا باللائمة على السامري ليتبرؤوا من الجريمة، زاعمين أنهم كانوا حسني النية حين طرحوا الذهب ليتخلصوا من الحرام، فاستغل السامري ذلك وصنع العجل وخدعهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
بِمَلْكِنَا: المَلْك (بالفتح والكسر والضم): الطاقة والاستطاعة والقدرة والاختيار.
حُمِّلْنَا: من الحَمْل، وبني للمجهول للإشعار بأنهم شعروا بثقل الإثم أو أُجبروا على حمله.
أَوْزَارًا: جمع وزر، وهو الحِمل الثقيل، ويستعمل في الذنب والإثم تشبيهاً له بالحمل الباهظ.
زِينَةِ الْقَوْمِ: الحلي الذهبية والجواهر التي كانت للقبط واستعارها بنو إسرائيل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: اعتذار بني إسرائيل المهين والملتوي أمام هيبة موسى وحجته القاطعة؛ حيث حاولوا تبرير السقوط بنفي القصد الذاتي والتعلق بحيلة التخلص من الحلي.
التناسب البلاغي: التعبير بـ {حُمِّلْنَا أَوْزَارًا} ثم {فَقَذَفْنَاهَا} يعكس رغبتهم في إظهار أنفسهم ضحايا جهل وتدبير شيطاني قاده السامري وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا سموا حلي القبط (أوزاراً) وهم قد غنموها بعد هلاك فرعون في البحر؟
دفع الشبهة وتحليل التناقض النفسي:
شريعة التوراة أو ما كان معهوداً عندهم في تلك المرحلة لم تكن قد أحلت الغنائم بعد؛ فالغنائم لم تحل لأحد قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فرأوا أن بقاء ذلك الذهب في أيديهم إثم وحرام (وزر).
التناقض البشع: كيف يتورعون عن ذهب قوم كفار هلكوا، ثم يسجدون لذلك الذهب بعينه حين صُيغ في صورة عجل؟! وهذا يجسد آفة (الورع الفاسد) الذي يدقق في صغائر الأمور ويسقط في الشرك الأكبر، كما قال ابن عمر لأهل العراق لما سألوه عن دم البعوض للمحرم وهم قد قتلوا الحسين بن علي رضي الله عنهما.
الاستدراك بـ {وَلَٰكِنَّا} للانتقال من نفي التعمد إلى سرد المبررات لتخفيف حدة الغضب النبوي.
إطلاق {أَوْزَارًا} على الحلي: استعارة تصريحية؛ شبهوا الأثقال الذهبية بالآثام لما شعروا به من الحرج في حيازتها.
التدبر الإشاري: النفس البشرية الضعيفة تلجأ دائماً إلى تعليق أخطائها الكبرى على الظروف أو على كيد الآخرين؛ لكن ميزان التكليف يحمل كل إنسان مسؤوليته الكاملة عن اختياره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
فضح عقلية التبرير والتهرب من المسؤولية؛ فالاعتراف بالذنب أولى خطوات التوبة الصادقة.
التحذير من الورع الكاذب الذي يفرط في أصول التوحيد والفرائض بينما يتدقق في الشكليات والجزئيات.
الأثر التربوي والإيماني:
طهارة القلب والوعي بحقائق الدين ومقاصده؛ فسلامة العقيدة هي الأصل الذي تقاس عليه سائر الأعمال.