تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 472)جامع البيانالطبري١٨/٤٧٢: يروي الطبري بإسناده عن قتادة وابن عباس ومجاهد في توبيخ مشركي مكة والمعاندين: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ}: أي أولم يتبين ويتبين لهؤلاء المكذبين من قريش، {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ}: كم أبدنا واستأصلنا قبلهم من الأمم الماضية المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط، {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ}: ومشركو مكة يمرون في أسفارهم وتجاراتهم إلى الشام واليمن على ديار أولئك المهلكين ومنازلهم الخاوية؛ فيرون آثار الدمار والخراب بأعينهم، {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ}: إن في ذلك الذي عاينوه من آثار الهلاك لدلالات وعظات واضحة لأصحاب العقول الراجحة التي تنهى أصحابها عن الشرك والتكذيب.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 357)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٥٧: يوضح ابن كثير أن مشاهدة آثار الهلاك بالعين المجردة في مساكن عاد وثمود وقرى سدوم كافية في إيقاظ العقول؛ فكيف يمشون في ديارهم ويتقلبون في أطلالهم وهم آمنون أن يحل بهم ما حل بأولئك؟!
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 360)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٦٠: يذكر القرطبي القراءات في {أَفَلَمْ يَهْدِ}: قرأ الجمهور: {أَفَلَمْ يَهْدِ} بالياء التحتية مبنياً للفاعل، وفاعله إما (كم أهلكنا) أو هو ضمير مستتر يعود على الله تعالى أو على البيان، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو حيوة وقتادة: {أَفَلَمْ نَهْدِ} بالنون مبنياً للفاعل على صيغة العظمة، ومعناه: أولم نبين لهم وندلهم.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 372)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٧٢: يحلل ابن عاشور تسمية العقول بـ {النُّهَىٰ}؛ لأن العقل السليم ينهى صاحبه ويزجره عن اتباع الهوى وقبائح الأفعال التي تجلب الهلاك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
يَهْدِ: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والفاعل ضمير مستتر تقديره الله، أو الفاعل الجملة المعلقة بـ كم.
لَهُمْ: جار ومجرور متعلق بـ يهد.
كَمْ: خبرية تفيد التكثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لـ أهلكنا (أو مبتدأ).
أَهْلَكْنَا: فعل ماضٍ وفاعله، وجملة الإهلاك علقت فعل الهداية عن العمل اللفظي.
قَبْلَهُم: ظرف زمان متعلق بـ أهلكنا.
مِّنَ الْقُرُونِ: جار ومجرور تمييز لـ كم.
يَمْشُونَ: فعل مضارع والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من ضمير لهم (أو نعت للقرون).
فِي مَسَاكِنِهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ يمشون.
إِنَّ: حرف توكيد ونصب.
فِي ذَٰلِكَ: جار ومجرور خبر مقدم لـ إنّ.
لَآيَاتٍ: اللام المزحلقة، وآيات: اسم إنّ مؤخر منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
لِّأُولِي: جار ومجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم متعلق بمحذوف نعت لـ آيات.
النُّهَىٰ: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: انتقال من الترهيب الأخروي بالقيامة إلى الترهيب الدنيوي بحوادث التاريخ والواقع المشاهد؛ لإلزام المشركين بالاعتبار الحسي والتاريخي.
التناسب البلاغي: الاستفهام الإنكاري المقرن بالتوبيخ {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ}، وتخصيص الانتفاع بالآيات بـ {لِّأُولِي النُّهَىٰ}؛ لبيان أن من لم تنهه آيات الله وعبر التاريخ عن الكفر فهو فاقد لخاصية العقل السليم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يمرون في مساكن القرون المهلكة وهم يعيشون في مكة بعيداً عن ديار عاد وثمود؟
دفع الشبهة وحقائق الجغرافيا التاريخية:
كانت رحلات قريش التجارية في الصيف والشتاء (رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام) تمر مباشرة عبر مدائن صالح (ديار ثمود في الحِجْر)، وعبر بلاد الأحقاف (ديار عاد)، وعبر بحيرة لوط (ديار سدوم وعمورة)؛ فكانوا يمشون في تلك المساكن الخاوية ويشهدون عيانياً مصارع المكذبين.
التعبير بـ {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} تسجيل دقيق لواقع حركتهم اليومية والتجارية التي تجعل الحجة عليهم ألزم وأقهر.