تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 336)جامع البيانالطبري١٨/٣٣٦: يروي الطبري عن قتادة ومحمد بن كعب القرظي أن السحرة لما وقفوا صفاً أمام موسى في الميدان الجامع، خيروه بين أن يبدأ هو بإلقاء عصاه أو يبدؤوا هم بإلقاء حبالهم وعصيهم، وذلك من باب الثقة بفنونهم والتبجح بقدراتهم أمام الجمع.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 308)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٠٨: يشير ابن كثير إلى أن هذا التخيير كان فيه نوع من المداراة والأدب الظاهر الذي يراعيه أهل الفنون في المناظرات، وقد روي عن بعض أهل العلم أن هذا الأدب ومراعاة المقام كان من أسباب توفيق الله لهم للإيمان فيما بعد، وإن كان قصدهم الأساسي اختبار ثقة موسى ورباطة جأشه.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 227)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٢٧: بين القرطبي أن تقديمهم التخيير لموسى أظهر للناس أنهم غير خائفين من بداءته، وأنهم مستعدون لمقابلته في أي الحالتين.
تفسير الرازي (مفاتيح الغيب، ج 22، ص 77)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٢٢/٧٧: يوضح الرازي أن تخييرهم لموسى يدل على كمال استعدادهم وثقتهم المطلقة بحيلهم وسحرهم، وكأنهم يقولون: نحن مستعلون ومسيطرون في كلتا الحالتين، فلا نبالي بمن يبدأ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
إِمَّا: حرف تفصيل وتخيير مبني على السكون.
تُلْقِيَ: الإلقاء: طرح الشيء من اليد إلى الأرض، وأصله رمي الشيء حيث تلقاه العين.
أَوَّلَ: اسم تفضيل مأخوذ من الأَوْل وهو الرجوع، ومعناه السابق المتقدم على غيره في الزمان أو الرتبة.
الإعراب والتركيب:
قَالُوا: فعل ماضٍ وفاعله.
يَا مُوسَىٰ: يا حرف نداء، وموسى: منادى مبني على الضم المقدر في محل نصب.
إِمَّا: حرف تخيير وتفصيل.
أَن تُلْقِيَ: المصدر المؤول في محل رفع مبتدأ خبره محذوف تقديره: مطلوبك أو إلقاؤك مقدم، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره اختر.
وَإِمَّا: الواو عاطفة، وإما: حرف تخيير.
أَن نَّكُونَ: المصدر المؤول معطوف على المصدر المؤول الأول. ونكون: فعل مضارع ناقص منصوب، واسمه ضمير مستتر تقديره نحن.
أَوَّلَ: خبر نكون منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
مَنْ: اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
أَلْقَىٰ: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر، وفاعله مستتر، والجملة صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد التحريض والاستعداد واصطفاف السحرة، انتقل المشهد إلى خطوة التنفيذ وبدء النزال الميداني في ساحة يوم الزينة، فخاطبوا موسى مباشرة بالتخيير.
النظم البياني: استخدام الترديد بين {إِمَّا أَن تُلْقِيَ} و{وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ} يعكس أدب المناظرة وصرامة القواعد التي فرضها الموقف أمام أنظار الملك والجماهير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل كان تخييرهم لموسى أدباً واحتراماً لنبوته أم كان استدراجاً واختباراً؟
دفع الشبهة:
ظاهر كلامهم التخيير الرياضي للمنافسة؛ ليوهموا الجماهير بثقتهم المطلقة في سحرهم، وأنهم لا يخشون مبادرته.
ومع ذلك، فإنهم لم يبادروه بالسوء ولا باشروا الإلقاء بغياً، بل أظهروا انضباطاً في الساحة، وهذا الانضباط والإنصاف النفسي جعل نفوسهم أقرب إلى قبول الحق حين رأوا الآية المعجزة التي تخرج عن مقدور البشر.
النداء بـ {يَا مُوسَىٰ} مجرداً دون شتم أو استهزاء ينم عن مهابة ألقاها الله لموسى في قلوبهم.
التناظر الصوتي والتركيبي البديع بين الجملتين الشرطيتين التخييريتين.
التدبر الإشاري: ربما كان التزام الإنسان بأدب الحوار وقواعد الإنصاف في المناظرة، سبباً في فتح مغاليق قلبه وتوفيقه للحق، كما حدث لهؤلاء السحرة الذين تحولوا في ساعات قلائل من معسكر الكفر إلى سادة الشهداء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
التحلي بالهدوء والثبات عند مواجهة الخصوم مهما كانت حشودهم؛ فموسى عليه السلام لم تزعزعه ثقتهم الزائفة بأنفسهم.
احترام قواعد الجدل والمناظرة المنصفة؛ لأن الحق لا يحتاج إلى الغوغائية ولا إلى كسر القواعد لكي يظهر وينتصر.
الأثر التربوي والإيماني:
من تواضع لأدب المناظرة أوشك أن يهتدي لنور الحقيقة؛ فالإنصاف خصلة شريفة تنجي صاحبها من الهلكة.