تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 343)جامع البيانالطبري١٨/٣٤٣: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس والسدي ومجاهد في قوله تعالى: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ}: يعني عصاه التي كان يمسكها بيمينه، صغر شأنها في اللفظ وعظم بركتها في الفعل، {تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا}: تبتلع وتلتقم ما اختلقوه من الحبال والعصي التي طلوها بالزئبق. فلما ألقاها موسى انقلبت حية عظيمة هائلة ذات قوائم وأنياب، ففتحت فاها وابتلعت كل ما في الوادي من حبال وعصي في مشهد أذهل الحاضرين وسلب عقول السحرة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 311)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣١١: يوضح ابن كثير أن التعبير بقوله: {مَا فِي يَمِينِكَ} فيه تصغير لشأن العصا لبيان أن القدرة الإلهية لا تتوقف على ضخامة الأداة بل على الإرادة الربانية، {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ}، أي تمويه وتلبيس وخداع، {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ}، أي لا يظفر ولا ينجح أينما توجه وأنى حل؛ لأن بضاعته زور وبهتان، والزور لا يقوم أمام سلطان الحق.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 233)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٣٣: يذكر القرطبي القراءات في {تَلْقَفْ}: قرأ ابن عامر وحفص: {تَلْقَفْ} بسكون اللام وجزم القاف تخفيفاً من لَقِفَ يَلْقَفُ، وقرأ الباقون: {تَلَقَّفْ} بفتح التاء واللام وتشديد القاف مضارع تلقّف. وفي قراءة {كَيْدُ سَاحِرٍ}: قرأ حمزة والكسائي: {كَيْدُ سِحْرٍ} بكسر السين وسكون الحاء على المصدر، وقرأ الباقون: {كَيْدُ سَاحِرٍ} بالألف على اسم الفاعل.
تفسير الرازي (مفاتيح الغيب، ج 22، ص 82)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٢٢/٨٢: يبين الرازي أن ابتلاع العصا لكل حبالهم وعصيهم ثم عودتها عصا كما كانت دون أن يزداد حجمها كان أعظم برهان حسّي عند السحرة أن هذا ليس من قبيل السحر والتخييل؛ لأن السحر لا يقلب الأعيان ولا يفني الأجسام المادية في جرم صغير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
مَا فِي يَمِينِكَ: اليمين: اليد اليمنى، وعبر بما الموصولة تصغيراً لشأنها وإيذاناً بأنها شيء عجيب خارق للعادة.
تَلْقَفْ: اللقف واللقفان: سرعة الأخذ والابتلاع في خفة وسرعة فائقة.
كَيْدُ: الكيد: المكر والحيلة والتدبير الفاسد.
لَا يُفْلِحُ: الفلاح: الظفر بالمطلوب والنجاة من المكروه.
حَيْثُ أَتَىٰ: ظرف مكان، أي في أي مكان وزمان وطريقة جاء بها وسعى إليها.
الإعراب والتركيب:
وَأَلْقِ: الواو عاطفة، وألقِ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره أنت.
مَا: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به.
فِي يَمِينِكَ: جار ومجرور صلة الموصول لا محل لها، والكاف: مضاف إليه.
تَلْقَفْ: فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب وعلامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على ما في يمينك.
مَا: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ تلقف.
صَنَعُوا: فعل ماضٍ وفاعله، والجملة صلة الموصول.
إِنَّمَا: كافة ومكفوفة (أو إنّ واسمها ما الموصولة).
صَنَعُوا: فعل وفاعل صلة ما.
كَيْدُ: خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
سَاحِرٍ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
وَلَا: الواو استئنافية، ولا: نافية لا عمل لها.
يُفْلِحُ: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
السَّاحِرُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
حَيْثُ: ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بـ يفلح.
أَتَىٰ: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر، والفاعل مستتر، والجملة في محل جر بالإضافة لـ حيث.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد أن ثبت الله نبيه بقوله: {لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ}، أمره بالمبادرة العملية لإظهار الحق وسحق الباطل: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ}.
تلاحم النظم: التعبير بـ {مَا فِي يَمِينِكَ} دون (عصاك) فيه حكمة بديعة؛ استحضاراً للسؤال الأول في الطور: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ}، وتصغيراً لأمر العصا الذاتي لتتجلى قدرة الله التي تبسط المعجزات من أدنى الأسباب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف ابتلعت العصا حبالاً وعصياً تحملها أحمال إبل دون أن يتغير حجمها أو تنتفخ؟
دفع الشبهة:
هذا وجه الإعجاز الخارق للعادة الذي قطع دابر السحرة؛ فلو كان الأمر كيمياء أو زئبقاً أو تخييلاً لظهر التغير المادي في الحجم والوزن.
قدرة الله صيرت تلك الجمادات عدماً أو استحالت في جوف الحية بأمر الله دون قيد للأسباب المادية المألوفة، وهذا ما أدركه السحرة بيقينهم العلمي في فنون السحر.