تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 358)جامع البيانالطبري١٨/٣٥٨: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة أن الله تعالى لما ذكر مآل المجرمين في الآية السابقة، ثنى بمآل المتقين على طريقة القرآن في الجمع بين الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، فقال: {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ}: أي من يلقى ربه يوم المعاد مصدقاً بوحدانيته متبعاً لرسله، قد قرن إيمانه القلبي بالعمل الصالح المأمور به، {فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى}: لهم المنازل الرفيعة والمراتب العالية في غرفات الجنات المقيمين فيها.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 316)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣١٦: ينقل ابن كثير في تفسير الدرجات العلى الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ".
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 247)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٤٧: يوضح القرطبي أن الدرجات العلى هي المنازل الشريفة التي تتفاوت على قدر الأعمال الصالحة والإخلاص؛ فكلما ازداد العبد إيماناً وعملاً صالحاً ارتقى في منازل القرب عند الله.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 510)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٥١٠: يربط السعدي بين اقتران الإيمان بالعمل الصالح؛ فلا يكتمل الإيمان ولا ينال العبد الدرجات العلى بمجرد التمني والدعوى، بل لابد من العمل الصالح الخالص الموافق لهدي الأنبياء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
مُؤْمِنًا: اسم فاعل من آمن، وهو المصدق المذعن المخلص.
الصَّالِحَاتِ: الأعمال المستقيمة الموافقة لأمر الله وشرعه.
الدَّرَجَاتُ: جمع درجة، وهي المنزلة والمرتبة الرفيعة في المكان والمكانة.
الْعُلَى: جمع العليا، وهي مؤنث الأعلى، أي المنازل البالغة أقصى درجات الشرف والرفعة.
الإعراب والتركيب:
وَمَن: الواو عاطفة، ومَن اسم شرط جازم مبتدأ.
يَأْتِهِ: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة، وفاعله مستتر، والهاء: مفعول به.
مُؤْمِنًا: حال أولى منصوبة وعلامة نصبها الفتحة.
قَدْ: حرف تحقيق.
عَمِلَ: فعل ماضٍ، والفاعل مستتر، والجملة في محل نصب حال ثانية (أو صفة لمؤمناً).
الصَّالِحَاتِ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
فَأُولَٰئِكَ: الفاء رابطة لجواب الشرط، وأولئك اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، والكاف: للخطاب.
لَهُمُ: جار ومجرور خبر مقدم.
الدَّرَجَاتُ: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ أولئك.
الْعُلَى: نعت لـ الدرجات مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة جواب الشرط في محل جزم، وخبر المبتدأ مَن مجموع جملتي الشرط والجواب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: مقابلة تامة وبديعة بين مصير المجرمين ومصير المؤمنين؛ بعد ظلمة جهنم وعذابها المؤبد جاء إشراق الجنة ومنازلها العلى.
التناسب البلاغي: اقتران الإيمان بالعمل الصالح بـ قد التحقيقية {قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ} للتأكيد على أن نيل الدرجات العلى يستدعي جهداً عملياً وتضحية وامتثالاً، والإشارة بـ {أُولَٰئِكَ} لعلو رتبتهم وشرف مكانتهم عند الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل يكفي الإيمان القلبي المجرد لنيل الدرجات العلى دون عمل صالح؟
دفع الشبهة وفق منهج أهل السنة:
صريح الآية يربط الدرجات العلى بالوصفين معاً: {مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ}؛ فالإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل ونية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
أصل النجاة من الخلود في النار يحصل بأصل الإيمان، أما المنازل الرفيعة والدرجات العلى فلا تنال إلا بالسبق في الأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله.
استخدام اسم الإشارة الدال على البعد {فَأُولَٰئِكَ} للإشعار بعلو مكانتهم وسمو منزلتهم وقربهم من الرحمن.
الجمع بالألف والتاء في {الصَّالِحَاتِ} والجمع في {الدَّرَجَاتِ} للدلالة على كثرة الأعمال وتنوع وجوه البر، ومقابلة ذلك بتنوع المنازل وتعدد النعيم.
التدبر الإشاري: الهمم العالية لا ترضى إلا بالدرجات العلى؛ فالمؤمن الصادق لا يكتفي بمجرد النجاة، بل ينافس في ميادين الطاعات ليكون في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
الحث على العمل والاجتهاد في الطاعات، ونبذ التواكل والأماني الكاذبة التي لا تصدقها الأفعال.
تذكير الناس بأن نعيم الجنة درجات ومنازل يتسابق إليها المتنافسون: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.
الأثر التربوي والإيماني:
ترسيخ حب الآخرة والحرص على تزكية النفس؛ فالجنة سلعة الله الغالية التي تستحق بذل المهج وتضحيات الحياة.