قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ
قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة المناورة السياسية الكبرى والتهمة الإعلامية الجاهزة التي لجأ إليها فرعون لتحريض قومه ضد موسى بعد أن أعجزته الحجة؛ قال الطبري في جامع البيان (18/362)مصدر غير محدد١٨/٣٦٢: «يقول تعالى ذكره: قال فرعون لموسى لما عاين آياته وعجز عن ردها: أجئتنا يا موسى بهذا السحر والتمويه الذي تفعله، لكي تستولي به على بلادنا، وتخرجنا وتخرج قومي القبط من أرض مصر وتملكها أنت وقومك بنو إسرائيل؟ أراد فرعون بذلك أن يهيج العامة ويثير حفيظة القبط ضد موسى، ليوهمهم أن دعوة موسى ليست دعوة دينية للتوحيد، بل هي مؤامرة سياسية لاحتلال الوطن وسلب الأرض وسلب السيادة!». وقال ابن كثير في تفسيره (5/279)مصدر غير محدد٥/٢٧٩: «يقول فرعون لموسى منكراً عليه ما جاء به من الآيات الباهرة: هذا الذي جئت به ليس بحق، بل هو سحر موهت به على عقول الناس، والمقصود من ذلك أن تأخذ بلادنا وتستولي عليها وتخرجنا منها؛ وهذا من جنس ما قاله الملأ من قوم فرعون: {إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم}؛ فرعون استعمل سلاح التحريض القومي والعصبية الجغرافية ليوهم الناس أن عرش مصر مهدد بالسقوط على يد موسى». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/208)مصدر غير محدد١١/٢٠٨: «هكذا شأن الظلمة والجبابرة؛ إذا أقام عليهم أهل الحق الحجة في الدين، حولوها إلى قضايا الملك والوطن والفتنة، وقالوا للمصلحين: إنما تريدون سلب أموالنا وبلادنا!». وقال السعدي في تفسيره (ص 505)مصدر غير محدد٥٠٥: «قلب فرعون الحقائق؛ فسمى آيات الله سحراً، وسمى دعوة التوحيد وتحرير المستضعفين رغبة في الاستيلاء على السلطة وإخراج أهل الأرض منها؛ تضليلاً للدهماء وإشعالاً للعداوة ضد كليم الله».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التبدل المفاجئ في نبرة فرعون يعكس الانتقال من موقف المناظر العاجز إلى موقف المحرض السياسي الماكر؛ فبعد أن سجلت الآية السابقة كفره: {فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ}، بينت هذه الآية كيف صاغ هذا التكذيب في قالب خطاب تعبوي للجماهير. والنظم هنا يكشف حقيقة الاستبداد؛ فحين يعجز الطاغية عن مقارعة الحجة بالحجة، يلجأ فوراً إلى فزاعة "الخطر الداهم على الأمن القومي والوطن"، متستراً بالحرص على مصلحة الرعية، وهو في الحقيقة لا يخشى إلا على كرسيه وعرشه الزائل.