أسباب النزول وسياق الموقف: اجتمع السحرة بعد استنفار فرعون لحشودهم من أرجاء مملكته، ووقف موسى عليه السلام أمامهم في مجمع الحشر صبيحة يوم الزينة، فبادرهم بالوعظ والتحذير قبل إلقاء حبالهم وعصيهم.
تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 326)جامع البيانالطبري١٨/٣٢٦: يروي الطبري بإسناده عن السدي وقتادة أن موسى لما رأى جمعهم وكيدهم، لم يبدأهم بالتحدي المادي ولا باستعراض القوة، بل دعاهم إلى الله وحذرهم غضبه وعقابه، وقال: {وَيْلَكُمْ}: كلمة زجر ووعيد وتحذير من الهلاك، {لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}: لا تختلقوا الكذب بإضافة الشركاء إليه أو تسمية آياته ومعجزاته سحراً وافتراءً، {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ}: فيستأصلكم ويهلككم بعذاب من عنده، يقال: سحته وأسحته إذا استأصله ولم يبقِ منه شيئاً.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 304)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٠٤: بين ابن كثير أن هذا وعظ بليغ من كليم الله لمواجهة التضليل، مبيناً لهم أن مواجهة الحق بالباطل وافتراء الكذب على الله عاقبته الخيبة المطلقة والخسران، {وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ}، أي هلك وخسر من كذب على الله وجعل آياته سحراً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 218)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢١٨: ذكر القرطبي القراءات في قوله: {فَيُسْحِتَكُم}، فقرأ الكوفيون وعاصم وحمزة والكسائي وحفص: {فَيُسْحِتَكُم} بضم الياء وكسر الحاء من أسحت يُسحت، وقرأ أهل المدينة وأهل مكة وأهل البصرة: {فَيَسْحَتَكُم} بفتح الياء والحاء من سحت يَسحت ثلاثياً، وكلاهما لغتان فصيحتان بمعنى الاستئصال والإبادة التامة.
تفسير الرازي (مفاتيح الغيب، ج 22، ص 73)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٢٢/٧٣: يوضح الرازي أن موسى قدم الإنذار بالحق على إظهار المعجزة لأن المقصود من إظهار المعجزات هداية الخلق وإنقاذهم من العذاب، فلو أمكن رجوعهم بالموعظة والتذكير كان ذلك أولى، وهذا مسلك الأنبياء في النصح والشفقة على الخلق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المعجم والاشتقاق:
وَيْلَكُمْ: اسم وادٍ في جهنم عند طائفة، أو كلمة وضعت للهلاك والعذاب والندم، وهي هنا منصوبة على المصدرية بفعل متروك الإظهار تقديره: ألزمكم الله ويلاً.
لَا تَفْتَرُوا: الفري والافتراء: قطع الشيء وخلقه على غير مثال، ويستعمل في اختلاق الكذب المتعمد الشديد القبح.
فَيُسْحِتَكُم: السحت والأسحات: الإهلاك والاستئصال، ومنه المال السحت الذي يستأصل البركة ويهلك صاحبه. قال الفراء: أهل نجد يقولون أسحت الرجل إذا استأصل ماله، وأهل الحجاز يقولون سحت.
مُّوسَىٰ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر.
وَيْلَكُمْ: مفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف: ضمير متصل في محل جر مضاف إليه، والميم: للجمع.
لَا: ناهية جازمة.
تَفْتَرُوا: فعل مضارع مجزوم بـ لَا وعلامة جزمه حذف النون، والواو: فاعل.
عَلَى اللَّهِ: جار ومجرور متعلق بـ تَفْتَرُوا.
كَذِبًا: مفعول به منصوب، أو مفعول مطلق مبين للنوع.
فَيُسْحِتَكُم: الفاء سببية واقعة في جواب النهي، ويُسحتكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف: مفعول به.
بِعَذَابٍ: جار ومجرور متعلق بـ يُسحتكم.
وَقَدْ: الواو حالية، وقد: حرف تحقيق.
خَابَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
مَنِ: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل لـ خاب.
افْتَرَىٰ: فعل ماضٍ والفاعل ضمير مستتر، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد أن جمع فرعون السحرة وكاد كيده، واجتمع الجمعان في مشهد مهيب، افتتح موسى الموقف بالدعوة الصادقة والكلمة المؤثرة قبل الصدام المادي بالمعجزات.
تلاحم النظم: جاء قوله: {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} جواباً مرتباً على النهي والتحذير من الافتراء، مبيناً العلاقة الحتمية بين الطغيان والافتراء وبين الإهلاك والاستئصال. ثم ختم الآية بقاعدة كلية ماضية في كل زمان ومكان: {وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ}، وهي قاعدة تقصم ظهور المبطلين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يخاطب موسى السحرة وهم كفار قد جاؤوا لمعارضته بكلمة وعظ ولين: {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا}؟
دفع الشبهة:
كلمة {وَيْلَكُمْ} في الخطاب زجر وتنبيه يوقظ القلوب الغافلة، وهي من باب النصح الذي لا بد منه قبل إقامة الحجة البالغة.
الأنبياء لا يبدؤون بالقتال ولا بالمعارضة الصدامية قبل التذكير وإقامة الحجة، فالمقصد هو الهداية ونجاة الخلق وليس مجرد الانتصار الحزبي أو الشخصي.
هذا الوعظ أحدث أثره المباشر في نفوس السحرة، كما دلت عليه الآية التالية: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ}، مما يثبت حكمة موسى وعمق بصيرته الدعوية.
التعبير بـ {فَيُسْحِتَكُم}، وهي لفظة تدل بصوتها وجرسها على الإفناء التام والقلع من الجذور، متطابقة مع عظم الجريمة وهو الافتراء على الله.
التذييل الحكيم: {وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ}، جملة تذييلية جرت مجرى المثل لتقرير سنة إلهية ثابتة لا تتبدل.
التدبر الإشاري: الداعية الصادق لا ينسى رسالته حتى في أحرج المواقف وأمام أعتى الخصوم؛ فبينما كان فرعون يستعرض جبروته وسحرته، كان موسى ينثر بذور التوحيد واليقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
البدء بالوعظ والتذكير بعواقب الظلم قبل الدخول في أي مناظرة أو صراع، ليكون المقصد خالصاً لله تعالى.
تعرية حقيقة الباطل وكشف كونه افتراءً على الله لا يملك حجة ذاتية، مما يزعزع ثقة المبطلين في عقائدهم الزائفة.
الأثر التربوي والإيماني:
رسوخ اليقين بأن كل من افترى على الله كذباً خائب لا محالة، فلا يغتر المؤمن بانتفاش الباطل ولا بكثرة أتباعه وحشوده.
الكلمة الصادقة النابعة من قلب مخلص تملك سلطاناً يخترق حجب الباطل ويزلزل صفوف الخصوم.