تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 353)جامع البيانالطبري١٨/٣٥٣: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة في قول السحرة لفرعون: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا}: أي صدقنا بوحدانية خالقنا وربنا رجاء أن يكفر عنا ذنوبنا وسوالف كفرنا وشركنا، {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ}: أي وما أجبرتنا عليه من تعلم السحر وممارسته لمغالبة آيات موسى ومعارضتها، {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}: والله خير ثواباً وجزاءً مما كنت تمنانا به من التقريب والذهب والمال، وأبقى عذاباً منك إن عصيناه، وأبقى نعيماً لمن أطاعه ورضي عنه.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 315)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣١٥: يوضح ابن كثير أن هذا إعلان صريح منهم بالتوبة والإنابة إلى الله، ورجاء مغفرة الخطايا العظيمة؛ لا سيما جريمة تعلم السحر ومحاولة إطفاء نور الله بكيدهم، ثم ردوا على مقولة فرعون السابقة: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ} بقولهم الإيماني الشافي: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 243)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٤٣: يبين القرطبي أن قوله: {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ} استدل به بعض العلماء على أن فرعون كان يجبر أبناء بني إسرائيل أو فتيان القبط على تعلم السحر في مدارس خاصة لخدمة مملكته وحراسة كهانته، أو أنه أكرههم في ذلك اليوم بالذات على الخروج لمنازلة موسى ومبارزته.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 510)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٥١٠: يذكر السعدي أن المؤمنين الصادقين يرجون فضل الله ومغفرته، ويعلمون أن ثواب الله خير من كل متاع الدنيا الفاني، وأن بقاء ما عند الله من النعيم المقيم يهون في سبيله كل عذاب يوقعه البشر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
خَطَايَانَا: جمع خطيئة، وهي الذنب العظيم المقترف عن عمد أو تفريط.
أَكْرَهْتَنَا: الإكراه: حمل الإنسان على أمر يكرهه ولا يريده بالقهر والغلبة والتخويف.
خَيْرٌ: اسم تفضيل حذفت همزته لكثرة الاستعمال، أي أعظم خيراً وثواباً وفضلاً.
أَبْقَىٰ: اسم تفضيل من البقاء، أي أدوم نعيماً وأخلد ثواباً، وأشد عقاباً لمن عصاه.
الإعراب والتركيب:
إِنَّا: إنّ حرف توكيد ونصب، ونا: ضمير متصل في محل نصب اسمها.
آمَنَّا: فعل ماضٍ مبني على السكون، ونا: فاعل، والجملة في محل رفع خبر إنّ.
بِرَبِّنَا: جار ومجرور متعلق بـ آمنا، ونا: مضاف إليه.
لِيَغْفِرَ: اللام لام التعليل، ويغفر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره هو، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ آمنا.
لَنَا: جار ومجرور متعلق بـ يغفر.
خَطَايَانَا: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف، ونا: مضاف إليه.
وَمَا: الواو عاطفة، وما: اسم موصول مبني في محل نصب معطوف على خطايانا (أو نافية لا محل لها).
أَكْرَهْتَنَا: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء: فاعل، ونا: مفعول به أول.
عَلَيْهِ: جار ومجرور متعلق بـ أكرهتنا.
مِنَ السِّحْرِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من العائد المحذوف، والجملة صلة الموصول.
وَاللَّهُ: الواو استئنافية، والله لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
خَيْرٌ: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
وَأَبْقَىٰ: معطوف على خير مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد أن أعلنوا التحدي لفرعون واحتقار سلطانه الدنيوي، بينوا المقصد العظيم من إيمانهم وهو التطلع إلى رحمة الله ومغفرته، وتطهير نفوسهم من آثام الماضي والسحر.
المقابلة الإعجازية: ردوا على مقولته الطاغوتية {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ} بالكلمة الفصل: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}، فنقضوا دعواه بأحسن منها وبددوا أوهام خلوده في الأذهان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقولون {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ} وهم جاؤوا طائعين يطلبون الأجر والتقريب كما في سورة الشعراء والأعراف: {أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا}؟
دفع الشبهة والتوفيق بين الآيات:
الإكراه كان على أصل تعلم السحر؛ حيث كان فرعون يلزمهم بتعلم فنون الكهانة والسحر لخدمة بلاطه وسلطانه، وطلب الأجر كان في مبارزة موسى لما استنفرهم للمواجهة، فلا تناقض.
وقيل: الإكراه كان على منازلة موسى؛ فإنهم لما سمعوا موعظته أولاً {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا} ترددوا وتنازعوا وأسروا النجوى، فأكرههم فرعون بالتهديد والوعيد على المضي في التحدي والمبارزة.
اعترافهم بذنب السحر وتسميته خطيئة صريحة دليل على كمال توبتهم وتبرؤهم من الماضي الفاسد.