تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 480)جامع البيانالطبري١٨/٤٨٠: يروي الطبري بإسناده عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وقتادة في توجيه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ}: أي لا تطمحن بصرك ولا تطيل النظر بإعجاب وتمنٍّ إلى ما متعنا به أصنافاً وقرناء وطوائف من الكفار وأهل الشرك من الأموال والذهب والنساء والمراكب، {زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: بهجة الدنيا وزينتها الفانية السريعة الذبول كزهرة النبات، {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}: لنبتليهم ونختبرهم به في الدنيا ليكون حجة عليهم وسبباً في استدراجهم، {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}: وما ادخره الله لك يا محمد في الآخرة من الثواب والنعيم وما آتاك في الدنيا من النبوة والقرآن والإيمان خير مما متعوا به وأدوم بقاءً؛ لأنه لا يفنى ولا ينقطع.
الحديث النبوي الصحيح في المسألة: أخرج الشيخان من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربته وهو مضطجع على حصير قد أثر في جنبه، فرأى خزانته ليس فيها إلا قليل من الشعير والقرظ، فبكى عمر وقال: يا رسول الله، كسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه وأنت صفوة الله ورسوله في هذا؟! فقال صلى الله عليه وسلم: "أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟! أُولَٰئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا، أَمَا تَرْضَىٰ أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟".
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 359)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٥٩: يبين ابن كثير أن مد العينين يستلزم طول النظر المقترن بإعجاب ورغبة وتطلع، فنهاه الله عن ذلك؛ لأن الدنيا زهرة نضرة سرعان ما تذبل وتتحول إلى حطام، ورزق الله الديني من العلم واليقين ورزقه الأخروي في الجنة خير وأبقى.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 367)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٦٧: يوضح القرطبي أن النهي متوجه إلى الأمة في شخص نبيها صلى الله عليه وسلم؛ فإن النبي كان أزهد الناس في الدنيا، وإنما الخطاب له لتربية أمته على الزهد والاستغناء بالله.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 377)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٧٧: يحلل ابن عاشور الاستعارة البديعة في {زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}؛ فالزهرة أجمل ما في الشجرة وأسرعه زوالاً وذبولاً؛ فكذلك ملاذ الدنيا بريقها سريع الانقضاء لا يبقى منه إلا التحسر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
لَا تَمُدَّنَّ: مد العين: إطالة النظر بحسرة وتمنٍّ وإعجاب.
وَأَبْقَىٰ: معطوف على خير مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد الأمر بالتسبيح والصلاة، جاء التحذير من الالتفات إلى زينة الدنيا وزخرفها الزائل؛ صيانة للقلب وتطهيراً للعين من استعظام نعم الكفار.
التناسب البلاغي: إقران النهي عن مد العينين ببيان علة إعطاء الدنيا للكفار: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}، ثم مقابلة ذلك بالرزق الباقي الخالد: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل النهي عن مد العينين يقتضي تحريم التمتع بالحلال أو السعي في كسب الرزق الدنيوي؟
دفع الشبهة وبيان المقصد القرآني:
المنهي عنه ليس مجرد النظر العابر ولا التمتع بالمباح الحلال؛ بل هو (مد العينين) وهو النظر المتكرر الممتد المقرون بتعظيم الدنيا والطمع فيما في أيدي المترفين وحسدهم أو تمني ما فضلوا به من الحرام.
المؤمن يسعى في طلب الرزق الحلال وينفق في وجوه الخير، ولكنه يجعل الدنيا في يده لا في قلبه، ولا يعلق رجاءه بزهرتها الذابلة.