تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 487)جامع البيانالطبري١٨/٤٨٧: يروي الطبري بإسناده عن قتادة وابن عباس ومجاهد في بيان كمال العدل الإلهي وإقامة الحجة القاطعة بإرسال الرسل: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ}: أي ولو أهلكنا هؤلاء المشركين المكذبين بعذاب الاستئصال قبل أن نبعث إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم وننزل عليهم القرآن، {لَقَالُوا}: يوم القيامة محتجين ومعتذرين: {رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا}: أي هلا أرسلت إلينا في الدنيا رسولاً من عندك يبين لنا أمرك ونهيك، {فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ}: فننقاد لحججك ونؤمن بكتابك، {مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ}: من قبل أن نذل اليوم في عذاب جهنم ونخزى بالفضيحة أمام الخلائق في المحشر. فأرسل الله إليهم الرسول وأنزل الكتاب لقطع حجتهم ودحض معذرتهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 362)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٦٢: يوضح ابن كثير أن الله تعالى بحكمته ورحمته لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال الرسل وإقامة الحجة البالغة، كما قال سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}، وقوله: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}؛ فبعثة محمد صلى الله عليه وسلم قطعت كل عذر للمكذبين.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 375)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٧٥: يبين القرطبي أن الذل هو الهوان الداخلي في النفوس، والخزي هو الفضيحة والعار العلني الظاهر أمام الجمع في المحشر، فجمعوا في حسرتهم بين نفي ألم الذل ونفي عار الخزي.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 385)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٨٥: يشير ابن عاشور إلى أن الضمير في {مِّن قَبْلِهِ} يعود على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، أو على القرآن والبيان؛ لبيان أن وجود الرسول والقرآن نعمة عظمى تدرأ عنهم الذل والخزي لو عقلوا وآمنوا.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
لَوْ: حرف امتناع لامتناع يفيد فرض المحال أو غير الواقع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: تأكيد كمال عدل الله وحكمته في إرسال النبي صلى الله عليه وسلم؛ لئلا تبقى للمكذبين أي ذريعة أو حجة داحضة يتشبثون بها في عرصة القيامة.
التناسب البلاغي: الربط بين العذاب الدنيوي المفروض وبين الاعتذار الأخروي المزعوم؛ لإظهار كرم الله في إنقاذهم بإنزال الرسول قبل نزول العذاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل تقبل الحجة العقلية المجردة في العقاب أم لا بد من إرسال الرسل؟
دفع الشبهة ومقرر أهل السنة والجماعة:
صريح هذه الآية والآيات الكثيرة في القرآن تقرر أصلاً عقدياً عظيماً: وهو أن الله لا يعذب أحداً في الآخرة إلا بعد بلوغ الرسالة النبوية وقيام الحجة الرسالية عليه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}.
العقل يدرك حسن بعض الأشياء وقبحها إجمالاً، لكن معرفة تفاصيل التكليف والجزاء والعقوبة منوطة بالوحي؛ فإرسال الرسل عدل ورحمة وقطع لكل اعتذار.
الجمع بين {نَّذِلَّ} و{نَخْزَىٰ}؛ لاستغراق الهوان النفسي الباطني والفضيحة الاجتماعية الظاهرة.
صيغة التحضيض والتمني المفقود {لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} لتصوير حسرة المعرضين يوم لا ينفع الندم.
التدبر الإشاري: بعثة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن بين أيدينا أعظم نعمة عاصمة من الذل والخزي؛ فمن تمسك بهما شرف وعز في الدارين، ومن أعرض عنهما فلا يلومن إلا نفسه إذا ذاق الذل والخزي غداً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
وجوب إيصال رسالة الإسلام وبلاغ القرآن إلى العالمين؛ لإقامة الحجة وإبراء الذمة أمام الله تعالى.
تذكير العصاة بأن الحجة قد قامت عليهم بوضوح القرآن وبلوغ الرسالة، فلا عذر لمفرط اليوم.
الأثر التربوي والإيماني:
عظيم الشكر لله على نعمة الإسلام وإرسال خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، والاعتصام بسنته نجاةً من الذل والخزي في الدنيا والآخرة.