وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ
وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ
يفتتح الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة قصة كليم الله موسى عليه السلام بأسلوب الاستفهام التقريري التشويقي المسلي لقلب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال الطبري في جامع البيان (18/282)مصدر غير محدد١٨/٢٨٢: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وقد جاءك يا محمد خبر موسى بن عمران، وعلمت نبأه حين أرسلناه إلى فرعون، فاصبر على ما ينالك من أذى قومك كما صبر موسى؛ فإن العاقبة للمتقين». وقال ابن كثير في تفسيره (5/268)مصدر غير محدد٥/٢٦٨: «من هاهنا شرع تبارك وتعالى في ذكر قصة موسى، وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه وتكليمه إياه؛ وذلك بعد ما قرر أمر التوحيد والرسالة، وضرب له ولأمته الأمثال بمن سلف من الأنبياء؛ تسلية له صلى الله عليه وسلم، ليعلم أن ما أصابه من تكذيب قومه قد أصاب من كان قبله من أولي العزم من الرسل فصبروا وظفروا». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/175)مصدر غير محدد١١/١٧٥: «الاستفهام هنا بمعنى التقرير والتنبيه؛ أي: قد أتاك، وهو لفظ مستعمل في لسان العرب لافتتاح الأخبار العظيمة وتشويق السامع إلى تلقيها وفهم مقاصدها». وقال السعدي في تفسيره (ص 502)مصدر غير محدد٥٠٢: «هذا استفهام تشويق وإثارة للأذهان؛ لأن خبر موسى عليه السلام من أعظم الأخبار وأجلها، وفيه من العبر والدروس والحكم ما يزيد المؤمنين إيماناً وثباتاً».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الانتقال البديع من تأسيس العقائد الكلية (تنزيل القرآن، الاستواء على العرش، استيعاب الملك والعلم المحيط، وحدانية الله والأسماء الحسنى) إلى ضرب النموذج الحي للتكليف والاصطفاء النبوي يمثل ذروة الإحكام القرآني. فبعد أن أعلن سبحانه: {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}، ساق قصة موسى ليبين للنبي صلى الله عليه وسلم أن هذا القرآن الذي يحمله ليس بدعاً في الهداية، وأن طريق التكليف وإن كانت تكتنفه الشدائد إلا أن نهايته العز والتمكين والاصطفاء الرباني؛ فكانت قصة موسى برهاناً عملياً تطبيقياً لنفي الشقاء عن أهل النبوة والرسالة.