تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 396)جامع البيانالطبري١٨/٣٩٦: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في بقية خطاب موسى لأخيه هارون: {أَلَّا تَتَّبِعَنِ}: أي ما منعك من اتباعي واللحوق بي إلى الطور لتخبرني بما صنعوا، أو ما منعك من اتباع أمري ووصيتي التي وصيتك بها في قولي: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}؟ {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي}: أفعصيت وصيتي وأمري لك بالإصلاح ومجانبة المفسدين بسكوتك وبقائك بين أظهرهم وهم يعبدون العجل؟
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 331)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣١: يبين ابن كثير أن (لا) في قوله {أَلَّا تَتَّبِعَنِ} صلة وتوكيد عند جماعة من المفسرين والمعربين، والمعنى: ما منعك من اتباعي؟ أو هي نافية والمنع يتضمن معنى الإلجاء والحمل، أي: ما حملك على ألا تتبعني؟ والاستفهام في {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} استفهام إنكاري عتابي.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 287)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٨٧: يذكر القرطبي القراءات في قوله: {أَلَّا تَتَّبِعَنِ}: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: {أَلَّا تَتَّبِعَنِي} بإثبات الياء في الوصل، وحذفها في الوقف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: {أَلَّا تَتَّبِعَنِ} بحذف الياء وصلاً ووقفاً والاجتزاء بالكسرة، وقرأ يعقوب بإثبات الياء في الحالين.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 310)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣١٠: يوضح ابن عاشور أن التعبير بـ {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} من أشد ألفاظ العتاب في الخطاب؛ لما كان بين موسى وهارون من وثيق العهد والتفويض الصريح، ولأن عصيان أمر الرسول كبيرة لا تليق بالأنبياء، فكان المقصد استثارة هارون للإفصاح عن حجته العظيمة التي برر بها تصرفه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
تَتَّبِعَنِ: الاتباع: السير خلف الشخص، أو امتثال أمره وطاعته.
عَصَيْتَ: العصيان: مخالفة الأمر والتمرد على الطاعة.
الإعراب والتركيب:
أَلَّا: أنْ حرف مصدري ونصب، ولا: زائدة لتوكيد معنى النفي المستفاد من المنع (أو نافية والمصدر منصوب بنزع الخافض متعلق بـ منعك).
تَتَّبِعَنِ: فعل مضارع منصوب بـ أن وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل مستتر تقديره أنت، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة رسماً واجتزاءً بالكسرة ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
أَفَعَصَيْتَ: الهمزة للاستفهام التوبيخي الاستفساري، والفاء عاطفة على مقدر، وعصيت فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء فاعل.
أَمْرِي: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: استكمال للسؤال المعلق في الآية السابقة؛ تضييقاً لدائرة المساءلة وتحديداً لموطن العتاب بدقة: ترك الاتباع ومظنة مخالفة الأمر.
التناسب البلاغي: حذف الياء في {تَتَّبِعَنِ} مع كسرة النون ينسجم مع السرعة والحدة الإيقاعية لمشهد الغضب النبوي المقدس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يخاطب موسى أخاه وهو نبي مرسل بقوله: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي}، وهل يجوز العصيان على الأنبياء؟
دفع الشبهة وحسم المسألة:
الأنبياء معصومون من الكبائر والمعاصي المخلة بالرسالة إجماعاً؛ واستفهام موسى لم يكن تقريراً لوقوع المعصية بل كان إنكاراً لاستبعاد وقوعها منه، كأنه يقول: ما عهدتك عاصياً، فما الذي جعلك تفعل فعلاً يشبه في ظاهره مخالفة أمري؟
كان هارون مأموراً بالإصلاح والخلافة، واجتهد هارون في تطبيق هذا الأمر بحكمة بالغة كما سيأتي في جوابه، وموسى إنما عاتبه بحسب الظاهر حتى سمع عذره الجلي.
التدبر الإشاري: حرارة الغيرة للحق تقتضي وضوح المساءلة دون مجاملة للأقربين؛ فموسى لم يحابِ أخاه وشريكه في النبوة حين اشتبه عليه الأمر، بل سأله بحزم وجلاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
الحذر من الوقوع في مواطن الشبهات التي قد تفسر على أنها إقرار للباطل أو تفريط في الأمانة.
إعطاء الفرصة للمسؤول والمربي ليدلي بحجته ويوضح موقفه قبل إصدار الأحكام النهائية.
الأثر التربوي والإيماني:
التسليم لأمر الله ورسله، والحرص على مطابقة الظاهر للباطن في الاستجابة لأوامر الشريعة.