تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 428)جامع البيانالطبري١٨/٤٢٨: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في تفسير الآية: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ}: أي في ذلك اليوم العظيم المشهود، يساق الناس ويتبعون صوت الداعي وهو الملك إسرافيل عليه السلام حين يقف على صخرة بيت المقدس وينادي: أيها العظام النخرة، واللحوم المتمزقة، هلموا إلى الحساب والعرض على رب العالمين؛ فيتبعون صوته سراعاً لا ينحرفون عنه يمنة ولا يسرة، {لَا عِوَجَ لَهُ}: أي لا عوج لاتباعهم إياه، بل يسرعون إليه مستقيمين، {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ}: أي سكنت وخضعت وذلت الأصوات لهيبة الرحمن وجلاله وسلطانه، {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا}: أي فلا تسمع إلا خفق الأقدام ونقلها في الأرض، أو حفيف الألسن بالهمس والسر والتضرع الخافت من شدة الفزع.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 340)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٠: يوضح ابن كثير أن البشرية جمعاء تساق سوقاً مطيعة صاغرة إلى صوت الداعي، ولا يملك جبار ولا ملك ولا متكبر أن يتخلف أو ينحرف، ثم تخرس الأصوات وتسكن الحركات لجلال الجبار، وتتحول الجموع المليارية إلى صمت مهيب لا يقطعه إلا وقع الأقدام: {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 319)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣١٩: يذكر القرطبي أن الهمس هو الصوت الخفي، ومنه قيل للأسد هموس لأنه يمشي في خفاء ووقار، والمعنى: لا تسمع إلا وطء الأقدام على الأرض المستوية، أو صوت القلوب الواجفة في الصدور.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 335)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٣٥: يحلل ابن عاشور الجمع بين هيبة الموقف واسم {الرَّحْمَٰنِ}؛ لبيان أن جلال الله وهيبته العظمى لا تنافي رحمته بعباده المؤمنين، وأن الخشوع والسكينة تحيط بالموقف كله تقديساً وإجلالاً لمقام الربوبية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
الدَّاعِيَ: المنادي الذي يدعو الناس إلى موقف الحساب (إسرافيل عليه السلام بأمر الله).
لَا عِوَجَ لَهُ: نفي الميل والعدول، أي لا يقدرون على التخلف ولا على الانحراف عنه.
هَمْسًا: الهمس: الصوت الخفي البالغ أدنى درجات السماع، كتحريك الشفتين أو خفق النعال.
الإعراب والتركيب:
يَوْمَئِذٍ: يوم ظرف زمان منصوب متعلق بـ يتبعون، وإذ مضاف إليه مبني على السكون وحرك بالكسر للتنوين.
يَتَّبِعُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو: فاعل يعود على الناس والخلائق.
الدَّاعِيَ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
لَا: نافية للجنس.
عِوَجَ: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
لَهُ: جار ومجرور خبر لا، وجملة نفي العوج في محل نصب حال من الداعي أو من الفاعل بتأويل (لا عوج لدعائه أو لاتباعهم له).
وَخَشَعَتِ: الواو عاطفة، وخشعت فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء للتأنيث وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين.
الْأَصْوَاتُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
لِلرَّحْمَٰنِ: جار ومجرور متعلق بـ خشعت.
فَلَا: الفاء عاطفة مسببة، ولا: نافية.
تَسْمَعُ: فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة، والفاعل مستتر تقديره أنت.
إِلَّا: أداة حصر واستثناء ملغاة.
هَمْسًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة (أو مفعول مطلق).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد تسوية المسرح الكوني للأرض قاعاً صفصفاً، حانت لحظة حركة الخلائق؛ صوت الداعي يشق الصمت، فتتحرك الملايين صاغرة في اتجاه واحد دون التواء، وتصمت الألسنة وتخشع الأصوات لجلال الرحمن.
التناسب البلاغي: إعجاز تصويري خارق ينقل السامع بوجدانه إلى قلب المشهد؛ من حركة الانسياق الجماعي الحثيث {يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ}، إلى السكون الرهيب والصمت المطبق المهيب {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: إلى ماذا يعود الضمير في قوله: {لَا عِوَجَ لَهُ}؟
دفع الشبهة وبيان الوجوه البيانية:
يعود على (دعاء الداعي)؛ أي لا ميل في دعائه بل يدعو بصوت مستقيم يسمع القريب والبعيد على حد سواء من كل اتجاه.
يعود على (الاتباع)؛ أي لا عوج لهم في اتباعه، بل يقبلون عليه سراعاً مستقيمين لا ينحرفون ذات اليمين ولا ذات الشمال لعجزهم عن الامتناع.
يعود على الداعي نفسه؛ أي لا يميل عن أحد ولا يحابي أحداً في ندائه بل يستوي في ندائه الشريف والوضيع، والملك والمملوك.
التعبير بـ {خَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ}: مجاز مرسل أطلق الأصوات وأراد أصحابها، ونسب الخشوع للصوت لبيان أثر الخضوع النفسي على النطق.
الحصر والاستثناء بـ {إِلَّا هَمْسًا}: لتأكيد عمق السكون والسكينة؛ حتى لا يعلو في ذلك الجمع الحاشد صوت مرتفع.
نسبة الخشوع إلى اسم {الرَّحْمَٰنِ} يجمع بين مهابة السلطان ورجاء الرحمة في قلوب المؤمنين.
التدبر الإشاري: يا له من مشهد تخشع له القلوب المؤمنة في الدنيا قبل الآخرة؛ جمع الأولين والآخرين خاشعين صامتين يسيرون خلف نداء واحد؛ فما أعظم ملك الله وما أحقر كل متكبر جبار في ذلك المقام!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
إيقاظ الضمائر بذكر الصمت الأكبر في المحشر، وكبح جماح الألسن عن اللغو والكذب والباطل في الدنيا.
الدعوة إلى الخشوع والتذلل لله في الصلاة والذكر؛ فإن من خشع لله في الدنيا أمنه الله يوم الفزع الأكبر.
الأثر التربوي والإيماني:
امتلاء القلب بتعظيم الرحمن وجلاله، واستشعار هيبة الوقوف بين يديه، وسؤال الله أن يجعلنا في ذلك اليوم ممن سبقت لهم منه الحسنى وهم عن عذابه مبعدون.