تفسير الآية وموقع النزول: استفتح الله تعالى هذه السورة الكريمة بصيغة الماضي المحقق للوقوع {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ}، تنبيهاً على دنو القيامة وقرب الحساب والجزاء على الأعمال، وتوبيخاً لمن غفل عنها. قال الإمام الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 407)مصدر غير محدد١٨/٤٠٧: «يقول تعالى ذكره: دنا وقت حساب الناس على أعمالهم وأفعالهم التي سلفت منهم في دنياهم، وتجازيهم بها، وقرب ذلك منهم، وهم في غفلة عما يقرب منهم ويدنو إليهم من ذلك، لاهية قلوبهم، ساهية عن تذكره والتفكر فيه والاستعداد له، معرضون عن كتاب الله وتنزيله ووحي ربه إليهم، لا يتفكرون فيه فيعتبروا به وينزجروا عما هم عليه مقيمون من الضلالة».
الروايات المسندة في دنو الساعة: روى البخاري (رقم 6504)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٠٤ ومسلم (رقم 2953)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٥٣ عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى». وروى أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة بعد العصر حتى دنت الشمس للغروب، فقال: «أَلَا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ».
المراد بـ (الناس): قال قتادة وابن عباس: المراد بالناس هنا كفار قريش ومشركو العرب المعاندون للنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو عام في سائر الناس، واللفظ عام والخصوص يحتاج دليلاً سالماً من المعارض؛ إذ كل آت قريب، وموت كل إنسان قيامته الخاصة به، فمن مات فقد قامت قيامته وقرب حسابه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
اقترب: افتعل من القرب، وصيغة الافتعال تدل على المبالغة وتأكيد الدنو، كأن القرب قد اشتد وتفاقم تسارعه.
الحساب: مصدر حاسب يحاسب محاسبة وحساباً، وهو في الأصل تقدير الشيء وعده، وفي الشرع: توقيف الله عباده على أعمالهم خيراً وشراً ومطالبتهم بها.
الغفلة: سهو يقع في القلب يعطل الإدراك والشعور بما ينبغي التيقظ له، وفرق بين السهو والغفلة أن السهو زوال المعرفة بعد حصولها، أما الغفلة فقد تكون مع الجهل ابتداءً أو الإهمال العمدي.
معرضون: اسم فاعل من أعرض إذا ولى بصفحة وجهه، وهو انصراف النفس والبدن عن الحق عمداً وعناداً.
حِسَابُهُمْ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف، والضمير (هم) مضاف إليه في محل جر.
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ: الواو واو الحال، (هم) ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، و(في غفلة) جار ومجرور شبه جملة متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال. وتنكير (غفلة) للتعظيم والتهويل؛ أي في غفلة عظيمة بالغة لا يكاد يرجى معها انتباه.
مُّعْرِضُونَ: خبر ثان لـ (هم) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، أو نعت أو حال متداخلة مؤكدة لانصرافهم العملي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومطلع السورة: جاءت الآية استهلالاً زاجراً قاطعاً لكل تطاول كفري؛ فبعد أن انتهت سورة طه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: {فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ}، استأنفت الأنبياء ببيان أن وقت التربص قد انصرم، وأن المحاسبة قد أظلتهم، فلا مجال للتمادي في الأماني.
الجمع بين الغفلة والإعراض: ركب النظم القرآني بين الغفلة وهي آفة قلبية باطنة، وبين الإعراض وهو سلوك جسدي وظاهري ناتج عنها؛ فالغفلة داء العقل والوجدان، والإعراض ثمرتها في السلوك وتولية الأدبار عن آيات الله، فجمعوا بين عيب الباطن وقبح الظاهر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأخر القيامة وتراخي الزمان:
تقرير الإشكال: قد يزعم طاعن أو جاحد: كيف يقال: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} وقد مضى على نزول هذه الآية أكثر من أربعة عشر قرناً ولم تقم القيامة بعد؟ ألا يدل هذا على خلاف الواقع؟
المحاكمة وتفنيد الشبهة:
المقياس الزمني الإلهي في مقابل المقياس البشري المحدود: قال تعالى: {وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47]، وقال: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [المعارج: 6-7]. فما يراه الإنسان دهراً طويلاً هو في عمر الكون الإلهي ومسيرة الوجود كلمحة بصر أو أقرب.
قاعدة: كل ما هو آت قريب: العرب واللغة والعقل يقررون أن ما كان مقطوعاً بمجيئه لا محالة، وله أجل ينتهي إليه، فهو قريب؛ وإنما البعيد ما لا يجيء أبداً.
القيامة الصغرى بالموت: الحساب يبدأ للإنسان بمجرد انقضاء أنفاسه وخروج روحه من جسده، وموت المرء بينه وبين الحساب غمضة عين، وأعمار البشر قصيرة محدودة؛ فاقتراب الموت اقتراب للحساب ذاته.
قرب بعثة النبي صلى الله عليه وسلم من الساعة: بعثة خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم علامة كبرى على أن العالم دخل في طوره النهائي وعصره الأخير، كما قال: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ».
التعبير بصيغة الماضي في {اقْتَرَبَ} لتحقيق الوقوع وتقريبه إلى الحس، كأنه قد وقع وشوهد؛ لأن الوعد الإلهي لا يتخلف.
تنكير كلمة {غَفْلَةٍ} أفاد التهويل والتفخيم؛ أي في غفلة سحيقة ممتدة أحاطت بهم من كل جانب.
إيثار حرف الجر {فِي} في قوله {فِي غَفْلَةٍ} استعارة تبعية تشبه الغفلة بوعاء أو لجة ماء مظلمة استقروا فيها وغاصوا في أعماقها فلا يرون نوراً ولا يسمعون نذيراً.
الإشارة التدبرية: يا ابن آدم، إن أنفاسك مراحل تقطعها إلى قبرك، وإن كل شروق شمس وغروبها يقربك من لقاء ربك خطوة، والعجب من عاقل يوقن بالحساب ويقترب منه في كل طرفة عين ثم يبيت هادئ البال مقبلاً على اللهو والإعراض!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقظة وقطع التسويف: أعظم دواء لأمراض القلوب وفتور العزائم هو تذكر قرب الحساب ودنو الوقوف بين يدي الجبار؛ فالتسويف حبائل الشيطان التي يقتنص بها الغافلين.
التماسك المنهجي للدعاة: على الداعية أن يبدأ بمخاطبة الضمير الإنساني بهول اللقاء وحتمية الجزاء؛ فإن القلوب إذا لم تستشعر المحاسبة لم تثمر فيها الأوامر والنواهي.
المحاسبة اليومية: كان السلف الصالح يقولون: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتزينوا للعرض الأكبر». فالمؤمن الحقيقي يجعل هذه الآية منطلقاً لمحاسبة السر والعلن وتجديد التوبة النصوح في كل حين.