تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 376)جامع البيانالطبري١٨/٣٧٦: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة والسدي أن موسى عليه السلام لما سار ببني إسرائيل قاصداً طور سيناء للميقات الذي واعده ربه فيه لتلقي التوراة، اشتاق إلى مناجاة ربه وسماع كلامه، فقدم بين يديه واستعجل الخطى مسرعاً، واستخلف على بني إسرائيل أخاه هارون، فلما وصل إلى الطور ووقف في موقف المناجاة، قال الله له معاتباً ومستفسراً بلطف ومحبة: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ}: أي أي شيء حملك على العجلة والمسابقة وترك قومك وراءك؟
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 323)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٢٣: يبين ابن كثير أن هذا الاستفهام من الله تعالى لكليمه موسى هو استفهام تقرير وملاطفة وإيناس، لبيان الدافع وراء هذه العجلة، وتنبيه له على ما سيحدث وراءه من الفتنة التي جهلها موسى وعلمها الله المحيط بكل شيء.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 266)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٦٦: يذكر القرطبي أن موسى خرج في سبعين رجلاً من وجوه بني إسرائيل، ثم عجل عنهم شوقاً إلى كلام الله وأمرهم أن يتبعوه، فعاتبه الله بلطف ليبرز حرصه على رضوان ربه.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 291)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٩١: يشير ابن عاشور إلى أن الاستفهام في {وَمَا أَعْجَلَكَ} يجمع بين المؤانسة والتعليم؛ ليفتح الباب لموسى ليعبر عن مكنون حبه وشوقه، ويمهد للأمر الجلل الذي وقع في بني إسرائيل في غيبته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أَعْجَلَكَ: العجلة: طلب الشيء قبل أوانه، وأعجله: حمله على العجلة والسرعة والسبق.
عَن قَوْمِكَ: عن للمجاوزة والترك، أي ما جعلك تسبقهم وتجاوزهم وتتركهم خلفك.
الإعراب والتركيب:
وَمَا: الواو استئنافية، وما اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
أَعْجَلَكَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على ما، والكاف: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
عَن قَوْمِكَ: جار ومجرور متعلق بـ أعجلك، والكاف: مضاف إليه.
يَا مُوسَىٰ: يا حرف نداء، وموسى: منادى مفرد علم مبني على الضم المقدر في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: انتقال المشهد إلى مناجاة الطور؛ حيث يقف موسى بين يدي ربه مستمعاً لخطابه، ويبدأ الحوار الإلهي بهذا السؤال اللطيف الممهد لما بعده.
التناسب البلاغي: مجيء السؤال بصيغة الاستفهام الإيناسي وتكرار النداء باسمه العلم الشريف {يَا مُوسَىٰ} يضفي على الموقف جلال المحبة والمؤانسة والتقريب لكليم الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل كان تعجل موسى عليه السلام خطأً استوجب العتاب الإلهي؟
دفع الشبهة وبيان رتبة الأنبياء:
لم يكن تعجله معصية ولا نقصاً، بل كان نابعاً من غاية كمال العبودية والشوق إلى لقاء الله ونيل رضوانه، كما بينه في الآية اللاحقة: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ}.
الخطاب الإلهي كان تنبيهاً على حكمة القيادة؛ فالراعي عليه أن يظل قريباً من رعيته لئلا تزل أقدامهم في غيبته، فكان درساً نبوياً في سياسة الرعية وإحكام الحراسة مع ما فيه من ثناء على صدق شوقه.