تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 414)جامع البيانالطبري١٨/٤١٤: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد أن الله تعالى يبين دوام هذا العذاب وثقله على المعرضين: {خَالِدِينَ فِيهِ}: أي ماكثين في ذلك الوزر وعقابه وهو نار جهنم لا يفارقهم ولا ينقطع عنهم أبداً، {وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا}: وبئس الحمل الذي حملوه على ظهورهم ورؤوسهم ذلك الإثم الذي أوردهم الدرك الأسفل من النار.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 337)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣٧: يوضح ابن كثير أن التعبير بـ {سَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} فيه تقبيح بالغ لذلك الكسب الخبيث؛ فبئس ما ادخروه لأنفسهم وبئس ما أتوا به إلى ربهم يوم الحساب؛ حمل يكسر الظهور ويوجب الخلود في الجحيم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 305)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٠٥: يبين القرطبي أن (ساء) فعل ذم يجري مجرى (بئس)، وفاعله مستتر يفسره التمييز {حِمْلًا}، والمخصوص بالذم محذوف تقديره (حملهم ذلك الوزر)، والمعنى: بئس المحمول حمله ذلك الوزر يوم القيامة.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 327)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٢٧: يشير ابن عاشور إلى أن عود الضمير في {فِيهِ} إلى الوزر هو من باب جعل العقاب مسكناً ومحيطاً بالمعاقب، فكأن الوزر تجسد داراً وناراً يحيط به من كل جانب ويخلد في جوفه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
خَالِدِينَ: الخلود: المكث الطويل المؤبد الذي لا انقطاع له.
سَاءَ: فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم نقيض نِعْمَ.
حِمْلًا: الحِمْل (بالكسر): ما حُمل على الظهر أو الرأس، والحَمْل (بالفتح): ما في بطن الحامل أو على الشجر.
الإعراب والتركيب:
خَالِدِينَ: حال منصوبة وعلامة نصبها الياء لأنه جمع مذكر سالم (من فاعل يحمل وجمع على المعنى).
فِيهِ: جار ومجرور متعلق بـ خالدين.
وَسَاءَ: الواو عاطفة أو استئنافية، وساء فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر يفسره النكرة بعده.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: تأكيد وتعميق لوصف المصير؛ فبعد بيان حمل الوزر في الآية السابقة، بينت هذه الآية أبدية العقوبة {خَالِدِينَ فِيهِ} وقبح ذلك المحمول وشؤمه {وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا}.
التناسب البلاغي: إسناد الخلود إلى الوزر {فِيهِ} للإشعار بأن عمل الإنسان السيئ يحيط به ويصير له سجناً سرمدياً لا خروج منه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إعرابية: كيف جاء {خَالِدِينَ} بصيغة الجمع مع أن المبتدأ في الآية السابقة اسم الشرط المفرد {مَنْ أَعْرَضَ} وضمير {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ} مفرد؟
دفع الشبهة ومراعاة أساليب العربية:
هذا من البلاغة القرآنية المعجزة في مراعاة لفظ (مَنْ) تارة ومراعاة معناها تارة أخرى؛ فرُوعي لفظها أولاً في الإفراد فقال: {أَعْرَضَ... فَإِنَّهُ يَحْمِلُ}، ثم رُوعي معناها وهو العموم والجمع فقال: {خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ}، وهذا أسلوب فصيح مشهور في القرآن وكلام العرب.
الجمع بعد الإفراد يشعر بأن كل فرد يحمل وزره بنفسه أولاً، ثم يجتمع المعرضون كلهم في دار الخزي والعذاب الأبدي.